عش مهجور وحزين
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
أتى العيد ومضى، وتتالت المناسبات والأحداث، وعاش الناس كل ذلك بحلوه ومره، وتبادلوا التهاني والتعازي، وتقاسموا الأفراح والأتراح، وعاد الغائبون، والتقى الأب بابنه، والأم بولدها وزوجها، وخيم على كل بيت الهدوء والاطمئنان وراحة البال، إذ الجميع ينعمون بالسعادة التي لا حد لها، كيف لا، وقد جُمِعَ الشمل، ورُئب الصدع، واكتحلت العيون برؤية مَن تحب، وتشنفت الأسماع بحديث الأقارب والخلان، وجلس الكل بجانب الكل، وكلهم ابتسامة مفعمة بالأمل، وألسنتهم لا تمل الحديث، وقلوبهم نابضة بالحمد والشكر لله على جميل نعمه، وعظيم منه وفضله الذي يتفيؤون بظله!
ولكن ظل هناك بيتٌ أنواره شاحبة، ونوافذه مغلقة، يكسوها الغبار، ويطبق عليها الحزن، إلى الحد الذي جعلها غير قادرة على التمييز بين ساعات الليل من ساعات النهار، فلم تعد تُفتح أمام أشعة الشمس كما هي عادتها، مع كل إشراقة شمس يومٍ جديد، على امتداد خمس من السنوات الماضية، كذلك تبدو زوايا البيت وممراته وغرفه وأبوابه بذات الصورة، لتعبر جميعها عن مشهد جد مأساوي، أقرب ما يكون بمشهد لعش عائلة من الطيور، هجم عليها عدو متربص، فشرد تلك الطيور، وشتت شملها، وقتل فرحتها وهدوءها، وسلبها أمنها واستقرارها، وكل ما تملك، ولم يبق منها على ذلك العش سوى بعض الريش، وبقايا طعام، تحكي عن آثار أسرة صغيرة جميلة مسالمة كانت هنا، ثم ذهبت، ويا لهول الشاهد والمشهود!
ولكن ما الذي يمنع تلك العصافير من العودة من جديد؟ لماذا لم تفكر برأب الصدع، ولم الشمل؟ أهي غاضبةٌ على بعضها، ومستاءةٌ من تصرف رب تلك الأسرة في لحظة غضب، وقلة تقدير، وجهل بالأمور، الأمر الذي جعلهم يتخذون منه موقفا أكثر إيلاماً وتعذيباً، وحولهم إلى أقطاب متنافرة، وقلوب متباعدة، ونفوس ناقمة، لا ترضى بأقل من القضاء على كل شيء؟!
ليتهم يعودون إلى جميل ماضيهم، لكي يتسنى لهم تجاوز سلبيات بعضهم في حاضرهم، ويتمكنوا معاً من الحفاظ على بنية وجودهم، والتخطيط والعمل في سبيل صنع مستقبلهم!
لقد قالوا يوماً عن أنفسهم إنهما: مختلفان عن الجميع، يكتمل فينا عالم كبير، وتحتفل في ذاتنا الواحدة ذوات مناسباتنا المتعددة، نختصر الكلمات بكلمة واحدة مكتوبة بأقل ما في أبجديات اللغة من حروف، وبأوفر ما في هذه الدنيا من أحاسيس ومشاعر، ترصدنا أعين السعادة في كل لحظة، وتتربص بنا الصدف الجميلة منذ الصدفة الحزينة الأولى التي تحولت بنا إلى عمق الفرح، لنغرق بعدها في تدابير الله اللطيفة بنا.
التقينا على ضفاف الماضي لنواصل سبيلنا معاً على ورود ذلك الذي كان يُدعى الحاضر نحو المستقبل، كنا نحمل الأمل على أكتاف أوجاعنا المكابرة، متجاهلين كل أشواك الخيبة في طريقنا، تمنينا أن يتفهمنا البشر فتفهمنا ربهم، وكان ذلك أعظم مما تمنيناه، حمدناه ومضينا نميط أذى الأعزاء على قلبنا الواحد هو أيضاً، وبصمت الواثقين حبسنا نوايانا الطاهرة في صندوق الوفاء.
قررنا ذات وعد صادق أن نزرع بذرة حب صغيرة علها تزهر، فكانت شجرة مباركة، أصلها ثابت وفرعها في السماء.
إننا وبحجم تلك الآلام ننعم كل حين بعدها بالعافية، في أرواحنا وفي حياتنا، لأننا وبنفس مطمئنة تركنا قارب المنغصات الصغير يبحر بعيداً عنا، ويوماً ما سيقرأ الكون عنا تلك الرواية التي كُتِبت أحداثها على سطور الحياة بالدموع وبالابتسامات معاً.

أترك تعليقاً

التعليقات