طهران ومنطق الحرب النفسية
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لا ينبغي فهم الهجوم الأمريكي على إيران من منظور التحليل العسكري التقليدي فحسب، بل كان المنطق الأساسي للحرب هو الحرب النفسية. فما فسّره كثير من المراقبين على أنه ضعف إيراني كان في الواقع جزءًا من تصميم استراتيجي أعمق. فقد فُسِّر رد إيران المحدود بعد اغتيال قاسم سليماني، وردودها الباهتة في سوريا ولبنان والعراق، وحتى ردها المتحكم فيه بعد قصف منشآتها النووية، من قِبَل أعدائها على أنها علامات تردد أو ضعف أو تراجع. وبدا للعالم أجمع أن إيران هشة ومحاصرة وعلى وشك الانهيار.
عززت كل مرحلة من مراحل ضبط النفس الاعتقاد في واشنطن و»تل أبيب» بأن إيران فقدت مصداقيتها كرادع. ازدادت «إسرائيل» حزمًا، مما ساهم في اغتيال مسؤولين إيرانيين وتصعيد التوترات التي أدت إلى حرب الأيام الاثني عشر. حتى بعد هذه التطورات، لم ترد إيران بالطريقة التي توقعها الكثيرون. بل استمرت في التصرف بحذر واضح، وعزز قبولها لوقف إطلاق النار الانطباع بأنها تتراجع. في رأيي، لم يكن هذا سلبية، بل رسائل مدروسة. سمحت إيران لأعدائها بالاعتقاد بأنهم يواجهون دولة منهارة نفسيًا واستراتيجيًا.
ثم لم تكتفِ الولايات المتحدة و»إسرائيل» بمحاولة إضعاف إيران عسكريًا، بل سعتا أيضًا إلى زعزعة استقرارها من الداخل ودفعها نحو الانهيار الداخلي. باءت هذه المحاولة بالفشل. لكن مجرد تصور ضعف إيران كان له عواقب وخيمة: فقد دفع العدو إلى الغرور والثقة الزائفة بالنفس. مدفوعًا بما اعتقد أنه تراجع إيران، وبالنصر الذي حققه في فنزويلا، اتخذ ترامب قرارًا تجنبه رؤساء الولايات المتحدة السابقون. دخل الحرب مع إيران دون استعداد كافٍ ودون استراتيجية متماسكة وواضحة. خطوة يعتبرها العديد من المحللين خطأً فادحًا؛ خطأ أدى إلى تدمير قواعد أمريكية وبنيتها التحتية الحيوية، بما في ذلك أنظمة الرادار. تصرف ترامب وهو يتوهم أن إيران على وشك الانهيار، بينما في الواقع دخل ساحة وضعت إيران قواعدها.
لهذا السبب يُعدّ مفهوم التراجع المُتعمّد بالغ الأهمية. ففي الاستراتيجية العسكرية، يحدث التراجع المُتعمّد عندما يُظهر أحد الأطراف ضعفه أو ارتباكه أو تراجعه عمدًا، وذلك لاستدراج العدو إلى الغرور والتقدّم المفرط وارتكاب خطأ استراتيجي. فيظنّ العدو أن النصر وشيك، فيتقدّم بشكل مفرط، ويُوسّع خطوطه، ويُقدم على هجوم مُبكر، ويكشف نقاط ضعفه. عندها فقط يُحوّل الطرف الذي يبدو ضعيفًا هجومه. يُعدّ هذا أحد أقدم وأكثر أشكال الخداع فعالية في الحروب. ويمكن إيجاد هذا المبدأ أيضًا في فكر «صن تزو» في كتابه «فن الحرب»: عندما تكون قويًا، أظهر ضعفك، وشجّع كبرياء عدوّك حتى يُصبح كبرياؤه سبب هلاكه.
من هذا المنظور، لم يكن سلوك إيران علامة ضعف، في الخضوع لسلسلة من الإهانات، بل شكلاً من أشكال ضبط النفس، والنفس الطويل. فقد تلقت إيران الضربات بينما كانت في الوقت نفسه تُشكّل تصورات أعدائها. سمحت لهم بإساءة فهم نواياها، وحدودها، ونطاق ردها. ما بدا لي تردداً في الخارج كان في الحقيقة استعداداً تاماً. وما بدا ضعفاً كان مجرد فخ.
لم تسفر تضحية أعظم قادتها، الشهيد آية الله خامنئي، إلا عن تعميق البُعد الاستراتيجي والرمزي لهذه العملية. داخليًا، أحدث هذا الحدث صدمةً موحدة، إذ قرّب الإيرانيين والعالم الشيعي من بعضهم البعض على المستويات العاطفية والسياسية والحضارية، محولًا الحرب من مواجهة جيوسياسية بحتة إلى صراع وجودي أعمق. خارجيًا، حققت إيران إنجازًا نادرًا ما استطاعت دولٌ تحقيقه في مواجهة الغرب: النصر في الحرب الإعلامية. لعقود، صُوِّرت إيران في الخطاب الغربي كدولة متخلفة وغير عقلانية وإرهابية. لكن هذه الحرب غيّرت تلك الصورة. لم يرَ جزء كبير من العالم إيران كصورة كاريكاتورية رسمتها القوى الغربية، بل كأمة صمدت في وجه عدوان أكبر إمبراطورية في التاريخ البشري وأقوى قوة عسكرية في العالم، وتحملت ضغوطًا هائلة، لكنها رفضت الاستسلام.
هذا ما يمنح إيران ميزة استراتيجية. لا تحتاج إيران إلى هيمنة عسكرية كاملة لتحقيق النصر، فعتبة انتصارها أقل بكثير من عتبة انتصار أمريكا. تحتاج أمريكا إلى نصر استراتيجي واضح، وسيطرة سريعة على الوضع، والحفاظ على هيبتها كقوة عظمى. أما إيران، فكل ما تحتاجه هو البقاء، ومقاومة العدوان، والصمود. وحينها، يتغير ميزان القوى. لم تعد الحرب استعراضاً للقوة الأمريكية، بل استعراضاً لضعف أمريكا.
لهذا السبب، لا ينبغي النظر إلى نتيجة هذه الحرب على أنها مجرد مقاومة إيرانية، بل على أنها انتصار نفسي وسياسي عميق؛ انتصار يتشكل في قلب الحرب نفسها ومع استمرارها. لقد حطمت إيران أسطورة المنعة الأمريكية، وأظهرت أن الإمبراطورية لم تعد منيعة، وأن قوتها قابلة للتحدي، وأن صورتها عن الحتمية قابلة للدحض. علاوة على ذلك، فقد منحت الأمل للعالم ولجميع الشعوب، التي أنهكتها عقود من القمع والوحشية الإمبريالية، وذكّرتهم بحقيقة أن الظلم يمكن التصدي له والشر يمكن دحره.

أترك تعليقاً

التعليقات