«بوعزيزي الشمايتين».. يخفق سلفا في مشروعه الاحتجاجي ضد مطاوعة الرذيلة
- محمد القيرعي الأربعاء , 13 مـايـو , 2026 الساعة 12:39:35 AM
- 0 تعليقات

محمد القيرعي / لا ميديا -
«الشاب البائس فواز» مالك بسطة متنقلة لبيع الخضار في مدينة التربة شمايتين، المكتوية بالدنس السلطوي الإخوانجي المهيمن على مصائر أبنائها بقوة مليشياته المسعورة والمبندقة، أقدم صبيحة الخميس الفائت على صب البنزين في بدنه ومحاولة إشعال النار في جسده أمام المارة وسط سوق المدينة، لولا أن بعض الحاضرين تمكنوا من التدخل في اللحظة المناسبة ومنعوه من إتمام طقسه الاحتجاحي المميت ذاك عبر التضحية المجانية بحياته.
مبادرة الشاب فواز كانت أشبه بمحاولة بائسة لتكرار النموذج الاحتجاجي الذي سبقه إليه قبل عقد ونصف تقريبا التونسي محمد البوعزيزي حينما أقدم على الانتحار العلني حرقا في السابع عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2010م أمام مقر ولاية سيدي بوزيد في تونس احتجاجا على فساد أدوات نظام الحكم في بلاده.
بالنظر في المقام الأول إلى تشابه الأسباب والظروف والدوافع القهرية التي تقف وراء كل من محاولة فواز الأخيرة لإنهاء حياته مع تلك التي حفزت قبلا سلفه البوعزيزي، وذلك على إثر قيام مدير مرور مدينة التربة المعتوه الإخوانجي بلال المشرقي، الذي يتمنطق إلى جانب بندقيته ومسدسه الملقم وهراوته الغليظة، كذلك دشداشة الخونج وبركتهم المشفوعة بكل رذائلهم الظاهرة والمخفية منها، بالإضافة إلى تمتعه في الوقت ذاته بحظوة جنرال الأمن الإخوانجي منصور الأكحلي، بتدمير بسطة الخضار الخاصه بالضحية فواز، ومصادرتها بشكل لصوصي ومافيوي، كمصدر عيش وحيد ومتاح على قدر شحته لإعالة أطفاله الجوعى، بالطريقة ذاتها التي صودرت بها قبل عقد ونصف عربة بيع الخضار الخاصة بسلفه محمد البوعزيزي.
ومع أنه من المهم من منظوري الشخصي أن المسألة انتهت هنا عند حد منع إلحاق روح فواز المرهقة والمكلومة ببسطته المصادرة، وهو الأمر الذي كان يتعين على الشاب البائس فواز إدراكه أيضا قبل محاولته الإقدام على تنفيذ خطوته الانتحارية تلك، انطلاقا من حقيقة أنه حتى وإن تشابهت الظروف والدوافع القهرية والرغبات الطقسية ما بين مسعاه الاحتجاجي ومسعى سلفه البوعزيزي، إلا أنها لم تكن تعني بالضرورة تشابه النتائج المحتملة والمتوقعة بين البادرتين الاحتجاجيتين.
ألسنة اللهب المنبعثة قبل عقد ونصف من جسد البوعزيزي المتفحم في تونس، وإن كانت قد تطاولت آنذاك كالهشيم لتحيل نظام حكم زين العابدين بن علي ودستة من أنظمة الحكم المماثلة له في منطقتنا العربية إلى رماد يذروه الرياح، وإلى أثر بعد عين، فإن ألسنة اللهب المنبعثة من جسد فواز «بتاعنا» في الشمايتين لو أنه كان قد نجح فعلا في تكرار سيناريو البوعزيزي، لكانت ستعود بالنفع ولا شك وبأشكال متعددة على العصابات الإخوانجية الحاكمة والمتسلطة ذاتها، إما عبر استفادة جلاوزتهم من سعيرها لاكتساب بعض التدفئة اللحظية لأجسادهم المتشحة بسواد وببرودة أفعالهم الإجرامية اليومية المرتكبة في حق الشعب والوطن والمجتمع، أو من خلال قيامهم بتوظيف المأساة ذاتها (مأساة فواز) ضمن طقوسهم الدعائية بطابعها البونابرتي الصرف الذي برعوا به على الدوام في تضليل الأمة والمجتمع، وذلك عبر إقدامهم، وبشكل مؤكد لا محالة، على إصدار عدد من الفتاوى اللاهوتية الدينية المنبثقة من صرخات ضحيتهم فواز، والتي سيبينون للعامة من خلالها بأن «شهبا أو صاعقة من السماء ضربت بدنه المحترق، كبرهان إلهي لتذكير العامة بعواقب الخروج عن طاعة ولاة الأمر من جموع المطاوعة»، الذين يمثلون دون غيرهم إرادة الرب العليا، والمؤتمنين بشكل حصري على تطبيق شرائعه وسننه، بالطريقة التي يرونها.
في النهاية، كان في مقدور الضحية فواز تقديم نفسه كأضحية مجانية، ولكن دون أن يحظى -وهذا مؤكد- بصك الاستشهاد «كشهيد غير معترف به»، لا من قبل الرب الذي ينبذ فكرة الانتحار إجمالا مهما تعددت أسبابها وذرائعها، ولا من قبل المجتمع أيضا، وبالتحديد «مجتمع الحجرية الحالي» الذي كان سيحول مأساة فواز إلى مادة للتندر الاجتماعي، بالنظر إلى حالة التشوه المريعة والحاصلة في بنيانه الثقافي والاجتماعي والأخلاقي كمجتمع محلي بات ملوثا بصورة لا شفاء منها بالدنس الرجعي الإخوانجي الماضوي، الذي أفقده كل خصاله ومثله التقدمية والحضارية ورباطة جأشه الثورية أيضا، إلى حد أنه لم يعد هو ذاته المجتمع العصري التقليدي الذي عهدناه قبلا، وقبل نشوء وتمدد الظاهرة الإخوانجية المسمومة والمسعورة في محيطه.
فمجتمع «التربة والحجرية عموما كحاضرة وطنية تاريخية للتنوير» لم يعد يمتاز بخصال المجتمع الثوري العطوف والمتلاحم التي امتاز بها خلال العقود والأزمان الغابرة، ذاك المجتمع الذي لا أزال أتذكر بوضوح بعض محاسنه وقيمه العطوفة والمؤازرة المثلى، من خلال واقعة بريئة حدثت لي في طفولتي أوائل سبعينيات القرن الفائت، حيث أرسلني والدي (رحمه الله)، والذي كان معروفا بغلظته وقسوته اللامتناهية في تربيتنا، لشراء الروتي من الفرن الوحيد في تلك الحقبة والكائن في حي مدينة التربة القديمة، وبمعيتي ورقة نقدية من فئة الخمسة ريالات، والتي كانت توازي آنذاك من حيث قيمتها السعرية خمسة دولارات تقريبا، وأثناء سيري وانشغالي باللعب في الطريق فقدت الخمسة ريالات، ومع إدراكي لهول الكارثة العقابية المحتملة والمحدقة بي، والتي كان من الممكن أن تحول جسدي إلى حقل تجارب فعلي لـ«صميل الوالد» جراء فقدي المال.. حينها تفتق ذهني عن فكرة بسيطة وهي البحث عن الخمسة ريالات والعويل بصوت عال للفت نظر المارة الذين سرعان ما أشفق علي بعضهم ومنحوني بدل المال المفقود، ولأجدها أنا من جهتي فرصة سانحة لكسب بعض المال السهل بدلا من العودة للمنزل خالي الوفاض، وهكذا ما إن دلفت للشارع التالي حتى علا عويلي وبحثي مجددا عن الخمسة ريالات المفقودة، ولتنهال علي صدقات المتعاطفين حتى بلغ مجموع ما حصلت عليه مبلغ خمسة عشرة ريالا كاملة، بالإضافة إلى اللفتة الحانية لصاحب الفرن، الذي منحني روتي بريالين وثلاثة ريالات أخرى نقداً باقي فكة عوضا عن الخمسة ريالات المفقودة بغية تجنيبي غضبة والدي غير المحمودة، وأثناء عودتي للمنزل ظافرا بمصاريف جيب شخصية لشهر قادم على الأقل عثرت بالصدفة على خمستي المفقودة مركونة في زاوية كومة قمامة في أحد الأزقة التي مررت منها نزولا، فكان الظفر بالنسبة لي مضاعفا، وكله عائد إلى أخلاق أبناء الحجرية حينها، والتي بتنا نتوق إليها حاليا كتوق الأم لوليدها المفقود.
في الأخير، نصيحتي لذوي الميول الانتحارية أمثال «بو عزيزي بتاعنا، فواز» الراغبين في صب جام غضبهم على المطاوعة، أنه لا ضير في هذه الحالة في تنفيذ مشاريعهم الاجتثاثية، شريطة تنظيمها بأحزمة ناسفة فتاكة تمكنهم من جر أكبر عدد ممكن معهم من جلاوزة الخونج إلى جهنم، فيكونون في هذه الحالة قد أفادوا بتخليص مجتمعهم المحلي من بعض بذور الشر والجريمة الإخوانجية، واستفادوا في الوقت ذاته رضا وتمجيد التاريخ والمجتمع لعطائهم البطولي.










المصدر محمد القيرعي
زيارة جميع مقالات: محمد القيرعي