محمد القيرعي

محمد القيرعي / لا ميديا -
على ضوء أحداث الجنوب الأخيرة بما أسفرت عنه من إزاحة كلية لـ»انتقالي عيدروس الزبيدي» العميل ولأسياده في أبوظبي عن مشهد الأحداث الساخنة هناك، كثر الحديث المتفائل في أوساط المرتزقة وعلى مختلف المستويات السياسية والحركية والمليشياوية والعسكرية، وحتى الشعبية أيضاً المعمي على بصائرها، عن حتمية الوحدة التي فرضتها أحداث الجنوب، والتي تتطلبها أيضاً أبجديات المواجهة مع الحوثيين.. الوحدة غير المشروطة بين جميع مكونات المرتزقة وصقلها في بوتقة مؤسسية وطنية واحدة وبما يؤدي الغرض الاستراتيجي من ورائها.. والمتمثل، على حد خطابهم المعمم، بتكرار نفس سيناريو الحسم العسكري الخاطف الذي تحقق ضد «الانتقالي» في معركتهم المصيرية مع الحوثيين ومع صنعاء وثورة أيلول 2014م الظافرة على وجه العموم، وتلك من منظوري الشخصي محض أوهام وأمنيات فارغة ومفرغة من أي محتوى جدي، إن جاز التعبير.
وعموما، هناك قول مأثور ومؤثر، دائما ما يشدني، وهو منسوب لقائد ومؤسس الثورة والأمة الأمريكية جورج واشنطن ومفاده «إن الذين لا يذكرون الماضي.. مدانون بتكراره».. وماضي المرتزقة، كما هو حاضرهم بالطبع، غير مرضي أو مشرف البتة.. بالنظر إلى حجم وضراوة التشوهات المريعة التي تكتنف أصحابه الغارقين حتى أخمص أقدامهم في مستنقعات العمالة والارتزاق على حساب الكرامة والسيادة الوطنية والشعبية.
وبما أنه من المستحيل هنا الفصل ما بين فهمنا لنفسية وعقلية المرتزقة وبين فهمنا لدورهم التآمري والخياني المحموم ضد شعبهم وبلدهم، فإن السؤال الذي يدور وبإلحاح في هذه الحالة يتمحور وبشكل أساس حول الأرضية التي يمكن أن يقف عليها قادة المرتزقة لتحقيق ولو أدنى قدر من الوفاق المفترض بين مكوناتهم المشرذمة، والواقعة من ناحية أولى تحت ضغط التوترات الطبقية والمليشياوية المتزايدة والمحكومة عادة بالمصالح الآنية، ومن ناحية أخرى تحت طائلة العجز الكلي الذي يكتنف قادتها عن تغيير حاضرهم الموروث أصلا من حواصل ماضيهم المقيد بأبجديات العمالة والانبطاح الأعمى، الذي تبدأ تباشيره وتنتهي عند أقدام صناعهم وأسيادهم الإقليميين والدوليين.. بصورة خالية ومجردة من أبسط شروط ومتطلبات الهوية والثوابت الوطنية المقدسة.
ما يعني استحالة تلاقي وانصهار كياناتهم الحركية والمليشياوية الهشة في بوتقة واحدة، كما يقولون، بمعزل عن ولائهم الأعمى للرياض ولطاغيتها ابن سلمان، والذي حفزهم أصلا لمواجهة «مشروع الزبيدي التفكيكي»، وبتلك الوثبة المتقدمة دفاعا عن مصالح الرياض المهددة في المحافظات الجنوبية والشرقية، وليس دفاعا عن ثوابت وقدسية الوحدة واللحمة الوطنية، كما يزعمون.
ولعل مؤتمر «الحوار الجنوبي» الذي استضافته عاصمة الرذيلة «الرياض»، وافتتحت أعماله بعزف النشيد الشطري لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، أبلغ دليل على نجاعة هذا المشروع التوافقي المحموم والمعمم وفق الخطاب السياسي لقادة المرتزقة، وعلى جدية الهدف الجامع لكل رموزه وجلاوزته ولمكوناتهم العالقة والغارقة في مستنقع العمالة دون فكاك.
فمن لا يعرف طريقة المرتزقة في إدارة شؤون المناطق التي يهيمنون عليها والمحكومة على الأغلب عن طريق المحاصصة، ووفق قوانين الأومرتا «دستور المافيا المنظمة»، فليأت لزيارة محمياتهم المسكونة بهواجسهم المعتلة، والتي يسود فيها منذ بداية الحرب والعدوان نمط الحكم الإقطاعي المتخلف متعدد الأوجه والموروث من حواصل القرون الوسطى، حيث إن لكل منطقة أو مديرية حكامها المنفردين والمستقلين بحد ذاتهم والمبندقين بقوة مليشياتهم المحلية، بحيث لا تكاد تفصل أحيانا ما بين سلطة مهيمنة وأخرى أكثر من العشرة كيلومترات.
ففي حين يتمدد نفوذ أمير الحرب الإخوانجي حمود سعيد المخلافي على بعض أحياء مدينة تعز المستلبة، مثل حي الروضة وما جاوره، وعبر مليشياته المبندقة والتي تعكس من خلال محيا أفرادها بدائية المغول ووحشيتهم وعجرفتهم، فإن نفوذه يتضاءل على بعد عدة أحياء أخرى باتجاه غرب المدينة، مثل حي الضربة وحواف بئر باشا.. حيث تصطدم هناك بأعوان ومتاريس جنرال الرذيلة الإخوانجي أيضاً قاسم علي سرحان كمنطقة حكم ذاتي مستقلة لا تتعدى حدودها مشارف المدينة، حيث تهيمن هناك مليشيا السراحي ومواليه.. التي تنتهي هي الأخرى عند حدود منطقة الكدحة، حيث تبدأ «جمهورية طارق عفاش» باتجاه مناطق الساحل الغربي، وباتجاه الجنوب الشرقي تقبع إمارة المعتل الإخوانجي أبو بكر الجبولي، الذي تفرض مليشياته الملتحية والمبندقة هيمنتها المطلقة على كامل النطاق الديمغرافي لمديريتي الشمايتين والمقاطرة، والتي ما إن تتخطاها بعدد مواز من الكيلومترات باتجاه الجنوب حتى تصادفك مليشيا «الانتقالي» بأعلامها الشطرية الموبوءة برذيلة الزبيدي وعيال زايد.. وهكذا دواليك.
والأمر الأهم هو أن جميع مرتدي البزات العسكرية والمموهة من عسكر ومليشيا المرتزقة -وأينما وجدوا على امتداد خارطة نفوذهم وهيمنتهم من البقع إلى حضرموت والمهرة والساحل الغربي ومديريات تعز ولحج المحتلة وتخوم الجنوب المسلوب- لا يتحصلون على رواتب وامتيازات موحدة ومتساوية.. إذ إنه وفي حين يتمتع مرتزقة أبوظبي من مليشيا طارق عفاش إلى «الانتقالي» المنحل والنخب الشبوانية والحضرمية الدائرة في نفس طابور العمالة بمستوى إيرادي أعلى وأفضل سواء من حيث الرواتب الشهرية الممنوحة لجنودهم ومقاتليهم وبواقع ألف ريال سعودي للجندي وأكثر للضباط، أو من حيث مستوى الإنفاق اليومي شبه المترف، قياسا بما يتحصل عليه أفراد مليشيا الإصلاح المنتشرة في مختلف مديريات تعز ولحج المحتلتين والذين يعتمدون في معيشتهم على ما يتفيدونه من عرق وكدح أبناء تلك المناطق بالنظر إلى مستوى الرواتب الشحيح والمتدني الممنوح للفرد العادي (الجندي) بواقع ستين ألف ريال قعيطي، لا تخلو هي الأخرى من التفيد والاستقطاعات اللصوصية من قبل رؤسائهم وولاة أمورهم (إخونج البغاء).
إذن، والحال هكذا، عن أي وحدة سياسية ومليشياوية وحركية يتحدثون، وهم الذين لم يفلحوا طوال سني عمالتهم المخضبة بدماء شعبهم في الاتفاق على تعريف واحد ومحدد لفحوى ومكنون «الشرعية» التي يزعمون تمثيلها، وما إذا كان ينبغي أن تعتليها صور طحنون بن زايد أو شقيقه محمد أو صور كهل الرذيلة سلمان بن عبدالعزيز أو نجله محمد المارق عن الدين والملة والعروبة اقتداء بمولاه دونالد ترامب.
في النهاية وحتى لو نجحت تلك المساعي التوحيدية لمكونات المرتزقة في مواجهة المشروع التحرري الوطني (ثورة أيلول 2014م)، فإنه ينبغي عليهم أولا المسارعة بقراءة التاريخ بصورة موضوعية ومتأنية بالطريقة التي أشار إليها قبل قرنين زمنيين جورج واشنطن، ليتسنى لهم إدراك حقيقة أن صمود الحوثيين وثوار أيلول إجمالا في وجه أسوأ المشاريع العدوانية والإخضاعية وأكثرها جبنا وخسة وبربرية ووضاعة على الإطلاق، لم يتحقق على ضوء معادلة الأكثرية العددية أو التفوق النوعي، وإنما بالاعتماد على تراث صارم وسام من الإيمان الاستشهادي المدفوع بعدالة وقدسية وسمو القضية الوطنية التي يقاتلون في سبيلها.

أترك تعليقاً

التعليقات