محمد القيرعي

محمد القيرعي / لا ميديا -
اختتمت، الخميس الماضي، الجولة الأولى من مهزلة المشاورات «اليمنية ـ اليمنية» المنعقدة في الرياض بإشراف ورعاية مجلس التعاون الخليجي، بانتهاء صلاحية هادي ونائبه جنرال الرذيلة علي محسن الأحمر، لصالح منظومة أوسع من المرتزقة متعددي الولاءات ومن الأكثـر تبعية وانبطاحية على الإطلاق (مجلس رشاد العليمي المعلن تشكيله)، وفي خطوة وإن بدت من الناحية العملية معدة بعناية فائقة ومخططاً لها مسبقاً من قبل ابن سلمان وحلفائه وأسياده في إمبراطورية اليانكي، حيث لا دخل في الواقع ولا صلة البتة لقطعان التشاور «اليمني ـ اليمني» في اتخاذها أو إقرارها.
إلا أن إعلانها، وفي هذا التوقيت بالذات، وبتلك الطريقة المسرحية التي أرادوا من خلالها الإيحاء بكون هذا التغيير الحاصل في هيكلية نظام المرتزقة هو في الواقع حصيلة الجولة الأولى من مهزلة المشاورات «اليمنية ـ اليمنية»، لمنحها الصفة الجمعية الوطنية، يشير بوضوح إلى أن ابن سلمان وأعوانه أرادوا من خلالها التقليل من آثار الخيبة والارتكاس الذي منيت به جولة المشاورات الأولى لعملائه ومرتزقته، والتي انتهت بالطريقة التي بدأت بها، أي إلى حائط مسدود تعمه الفوضى والضبابية والتعثر وعدم الصوابية أصلاً، والتي كان نظام ابن سلمان وأسياده وأذنابه يأملون في توافر ولو جزء ضئيل منها في حال قرر «الحوثيون» التخلي عن عنادهم والإقرار بشرعية هذه المسرحية التحاورية الجاهزة التي ميزها ذلك الحضور المبهر لقطعان المتحاورين بوجوههم المكتنزة في أغلبها بنعمة العمالة والمبتهجة والممتنة جداً لسخاء وكرم وحكمة مولاهم محمد بن سلمان، التي برزت جلية من خلال مساعيه الأخوية والسلمية تجاه شعبنا وهم يتقاطرون تباعاً يوم الأربعاء الفائت ببزاتهم الرسمية الملونة على القاعة المخصصة لإجراء ما يصرون على وصفه بـ»المشاورات اليمنية ـ اليمنية» المزعومة، مشمولين بتصفيق وترحاب جموع الحاضرين من موفدين أمميين ودوليين ودبلوماسيين عرب وأجانب وخليجيين، أرادت الرياض من خلالهم البرهنة على مدى الدعم والمباركة الذي تحظى به هذه المبادرة التشاورية من قبل مجمل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، باستثناء «الحوثيين» الخارجين عن الجماعة والإجماع، لا فرق.
وعموماً، وبغض النظر -طبعاً- عما آلت إليه أمور العدوان ومرتزقته، ولكون كل تلك التكتيكات المرحلية لم تأتِ في الواقع بجديد على صعيد تغيير المشهد الدرامي العدواني في بلادنا مهما تعددت الوجوه وتنوعت المسميات أيضاً، إلا أن الملفت تماماً يكمن في طبيعة الأهداف والدوافع الكامنة وراء تلك السيناريوهات الجاهزة (مهزلة المشاورات والتغيير الهيكلي في نظام المرتزقة)، والتي وإن بدا ظاهرياً أنها تهدف إلى توحيد صف المرتزقة ولمّ شتات مختلف الفصائل وأمراء الحروب والتكوينات المليشياوية المنضوية تحت يافطة العدوان وإنهاء شرذمتها وانقسامها الذي شكل أصلاً، ومنذ بداية العدوان، أهم الركائز السياسية المتبعة من قبل تحالف الرذيلة لإبقاء وضمان سيطرته المطلقة على بلادنا، إلا أنها ومن الناحية الأخرى تهدف بالدرجة الأساس إلى إيجاد مخرج، أي مخرج كان، للرياض وباقي دول العدوان من ورطتهم المستعصية في بلادنا وتجنيبهم تبعات المسألة الجنائية عما ارتكبوه من فظائع في حق شعبنا وبلادنا على مدى سبعة أعوام مضت.
وهو الواقع الذي يتبين بوضوح ليس فحسب من خلال إفراط قادة مجلس التعاون الخليجي مؤخراً في استجداء «الحوثيين» بلغة مشحونة بإغراءات السلام، بغية جرهم بطريقة أو بأخرى للمشاركة في مشروع «المشاورات اليمنية ـ اليمنية» خاصتهم وفي أي دولة خليجية كانت من اختيارهم، وإنما أيضاً من خلال ذلك التحول المفاجئ في الموقف العدواني المسعور للسعودية تجاه بلادنا، والذي بات مشحوناً بدعوات السلام، بالإضافة إلى تلك الليونة البادية مؤخراً في الخطاب السياسي الرسمي لنظام ابن سلمان ومرتزقته (مجلس رشاد العليمي الجديد) حيال «الحوثيين» الذين تحول وصفهم بقدرة قادر من «مليشيا انقلابية» إلى حركة أنصار الله.
في النهاية، جميعنا يدرك أن كل تلك السيناريوهات تبين بجلاء مدى عمق المأزق السياسي والاستراتيجي والعسكري الذي بلغه المشروع الإخضاعي لتحالف العدوان الفاشي ضد بلادنا، وبالتالي فإن السلام الذي يأمله جلاوزة العدوان وأسيادهم ومرتزقتهم لن يتأتى بالتأكيد من خلال مجلسهم الرئاسي المشكل بولاءاته المتعددة لأطراف العدوان من خلال الوجوه التي تحفه من أمراء الحروب وطالبي الله، ولا من خلال محاور المشاورات المتعددة التي يهدف من ورائها إلى صرف الأنظار عن لب المعضلة الوطنية المتمثلة بجريمة الحرب والعدوان، وليس بالمسائل الاجتماعية والثقافية والحقوقية إلى آخر ذلك من خزعبلات.
فالسلام لن يأتي إلا عبر الجلوس المباشر على طاولة واحدة مع أولئك الذين شنوا عدوانهم البربري ضد بلادنا، وعلى قاعدة وقف الحرب وإنهاء الحصار والكف مستقبلاً عن التدخل في شؤون بلادنا الداخلية، والأهم إقرار جلاوزة تحالف العدوان بتحملهم المسؤولية الجنائية والأخلاقية عن كل ما ارتكبوه وما خلفوه من قتل وفوضى وخراب ودمار في بلادنا على مدى الأعوام السبعة الفائتة من عدوانهم الفاشي. وما عدا ذلك فلندع المسألة مرهونة بلغة المسيرات والصواريخ الباليستية والمجنحة «الحوثية» التي ستعاود ولا شك الإمساك بزمام المبادرة عقب انتهاء الهدنة التي لن تطول بالتأكيد. والعبرة وقت الكيل.

أترك تعليقاً

التعليقات