«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 120
- مروان ناصح الثلاثاء , 12 مـايـو , 2026 الساعة 12:31:50 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
الزجّاج (نافخ الزجاج).. أنفاس الشاعر في لهب الرمل والنار
كان الزجّاج في الزمن الجميل ساحراً، يتعامل مع النار كما يتعامل الشاعر مع الإلهام.
ينفخ أنفاسه في لهيبٍ مشتعِل، فتولد من العدم كأسٌ أو مزهرية أو مصباحٌ يُضيء الحكايات.
هو لا يصنع الزجاج فحسب، بل يكوِّن الضوء في هيئة حلمٍ شفاف، يَسكن بين أصابعه كروحٍ تتشكّل من لهبٍ وحنين.
الكاهن أمام محراب النار
في دكانٍ صغيرٍ تفوح منه رائحة الرمل والنار، يجلس الزجّاج أمام فرنه كأنّه كاهنٌ أمام محرابٍ ملتهب.
بيده أنبوبٌ طويل، ينفخ فيه ببطءٍ، فتتكوّر من أنفاسه فقاعة شفافة.
يحدّق فيها كما يحدّق الأب في وجه مولوده الأول، ثم يديرها على اللهب لتأخذ شكلها الأخير، كأنّه يُهذّب وهجها كما يُهذَّب الحلم قبل أن يُروى.
ألوان القلب في ألوان الزجاج
كلّ لونٍ من ألوان الزجاج له مزاجه، وكلّ قطعةٍ تُولد من نفخةٍ مختلفة.
الأزرق يذكّره ببحرٍ لم يسافر إليه، والأخضر ببستانٍ غاب عنه، والأحمر بجرحٍ قديمٍ لم يلتئم بعد...
ولذلك كان الناس يقولون: "ألوان الزجّاج هي خريطة قلبه".
كان كلّ لونٍ نافذةً تطلّ على حكايةٍ مضمَرة، وكلّ انكسارٍ في الضوء اعترافاً صامتاً بالعشق أو بالفقد.
الصبر والرفق..
لغة المادة الشفافة
لم يكن يتعامل مع الزجاج كجمادٍ هشّ، بل ككائنٍ حيٍّ يُطيع من يحبّه. فإذا قسا عليه انكسر، وإذا لامسه بحنانٍ رقّ وانساب.
ولهذا لم يتقن المهنة إلا من عرف الصبر والرفق والانتظار الطويل.
كان يعرف أن النار لا تُروَّض بالقوة، بل بالاحترام، وأن الجمال لا يولد بالعنف، بل بالرفق الذي يمنح الأشياء روحها.
همس الخلق بين النار والرمل
حين يمدّ الزجّاج الأنبوب في جوف النار، يسمع في داخله نغمة خفيّة. ليست صفيراً ولا أنيناً، بل همس التكوين ذاته.
النار تهمس للرمل: انهض وكن جمالاً! والرمل يجيب بأنينٍ صامت: ها أنا أتحوّل!
ثم يأتي هو، بأنفاسه، فيكمل المعجزة، المعجزة التي لا يرى سرَّها أحدٌ؛ لكنها تضيء العالم كله.
حين يهب شطراً من
روحه في القطعة
أحياناً، حين يفرغ من صنع مزهريةٍ شفافة، يرفعها أمام الضوء، فيرى داخلها مزيجاً من وهجٍ ودموع.
يبتسم ويقول: لقد سرقَتْ هذه القطعة شطراً من روحي!
وهكذا كانت كلّ قطعةٍ زجاجٍ في السوق تحمل شيئاً من روحه، كما يحمل الطفل ملامح أبيه، أو كما يحمل الضوء سرّ الشمس بعد غروبها.
المعجزات الصغيرة
في أعين الأطفال
أبناء الحارة كانوا يقفون مأخوذين أمام نافذته.
يشاهدونه ينفخ في اللهب فيتحوّل الهواء إلى جمالٍ بين يديه.
بعضهم كان يحلم أن يصير زجّاجاً مثله، لا ليصنع الأواني، بل ليصنع المعجزات الصغيرة التي لا يراها إلا القلب.
كانوا يرون في أنفاسه درساً في الإيمان: كيف يمكن لشيءٍ من هواءٍ ونارٍ أن يتحوّل إلى حياةٍ من نور؟!
غروب النار وولادة الضوء
في المساء، يطفئ النار. يشاهد القطع المصفوفة أمامه تلمع في ضوء المصباح، كنجومٍ صغيرةٍ على رفّ الزمن.
يهمس لها: ارقدن بخير، يا ذُرّيتي من الرمل والنار!
ويشعر أن الليل حين يُطبق على المدينة، يخلّف في دكانه بصيصاً من فجرٍ صغيرٍ يوشك أن يولد.
خاتمة.. شفافية الروح
وخلود الجمال
الزجّاج في الزمن الجميل لم يكن عاملاً فحسب، بل شاعراً يتنفس النار ليكوّن الشفافية.
علّمنا أن الجمال يولد من المعاناة، وأن اللطف أقوى من اللهب، وأن الإنسان حين يهب من روحه شيئاً للعالم، يصير ما يصنعه خالداً خلود أنفاسه الأولى.
وهكذا، حين نتأمل قطعة زجاجٍ صافية، لا نرى فيها الرمل والنار، بل الإنسان نفسه وهو يحاول -مرةً بعد مرة- أن يصنع من هشاشته ضوءاً لا ينكسر.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح