«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة ١٠3
- مروان ناصح الأحد , 5 أبـريـل , 2026 الساعة 1:11:23 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصـح / لا ميديا -
حياة على الهامش.. تحت بند الإقامة
كانوا يقولون: الزمن الجميل!
كأنهم يتحدثون عن حكاية أسطورية، عن ربيعٍ مضى ولم يعد!
لكن حين نفتح دفاتر ذلك الزمن، نجد الصفحات مبلّلة بالعرق والانتظار.
نجد أناساً لم يعيشوا حقاً، بل أقاموا في الحياة كما يقيم الغرباء في نُزلٍ بلا نوافذ!
كانوا يُسمّونها حياة، وهي في حقيقتها مكابدة صامتة بين الخبز والحلم.
فهل كان ذلك الزمن جميلاً؟! أم أننا نحن الذين زيّناه بالحنين؟!
لقاء على الرصيف
التقى صديقان قديمان على رصيف المدينة التي تغيّر وجهها وملامحها وروحها.
أحدهما عائد من المهجر وقد حمل معه عطور المدن البعيدة، والآخر ما زال يراوح مكانه في قلب الزحام.
سأله العائد: منذ متى تعيش في هذه المدينة؟
ضحك الآخر ضحكةً باردة، وقال: سؤالك فيه خطأ يا صديقي؛ الأصح أن تقول: كم لك مقيماً هنا؟ فما أدراك أنني أعيش فيها؟!
كان جوابه مرآةً لعمرٍ كامل من الإقامة دون حياة، ومن تنفّس دون هواء.
الإقامة في الوطن..
لا تعني الحياة فيه
في ذلك الذي سُمِّي "الزمن الجميل"، كان عموم الناس يتأقلمون كما يتأقلم السمك في إناءٍ ضيّق، ينتظرون خبزاً مؤجلاً وسعادةً لا تصل، يحملون دفتر التموين كما يحمل المسافر جوازه الأخير، ويبحثون عن "واسطة" لترميم فجوات أيامهم.
كانت الحياة تشبه معركة يومية بلا رايات، كل ما فيها مؤقت: الأمل، الراتب، الكهرباء... وحتى الفرح!
التفاصيل الصغيرة..
كانت جبالاً شاهقة
شراء أسطوانة غاز كان مشروعاً وطنياً بطول الانتظار. الهاتف الثابت يحتاج إلى معجزةٍ بيروقراطية... والسفر خارج البلاد أشبه بإجازة مشروطة بالعودة والصمت.
حتى التفاصيل البسيطة كانت جبالاً من الورق والعرق. كل إنجازٍ صغير كان انتصاراً على دولةٍ من الطوابير.
في ذلك الزمن، كانت النجاة بطولة، والابتسامة مقاومة.
الفكاهة.. قناع الحزن الجماعي
لم تكن النكتة ترفاً، بل كانت قصيدةً عامية تُقال بدل الصراخ. كانت وسيلةً لحماية العقل من الجنون، وطريقةً لتمرير وجعٍ لا يحتمل.
كانوا يتندرون على البطاقة التموينية، على الشاي المغشوش، وعلى الكهرباء التي تزورهم كما يزور الصيف نافذة الشتاء...
كان الضحك سلاحهم الوحيد في وجه العبث؛ ضحكٌ من قلب الألم، لا من فرط السعادة.
العيش على الحافة
في الأحياء القديمة، كان الناس يتقاسمون الخبز كما يتقاسمون الهمّ. يتبادلون الشموع حين تنقطع الكهرباء، ويتقاسمون الأخبار السيئة كما تُوزّع الحصص التموينية.
كانت الدولة تراقبهم بعينٍ باردة. لا تمنحهم شيئاً؛ لكنها قادرة على أن تسلب كل شيء: العمل، الحلم... وحتى الصمت الآمن!
لذلك عاشوا بحذرٍ يشبه الوقوف على حافة الهاوية؛ كلّاً منهم يحمل قلبه كقنديلٍ صغيرٍ في مهبّ الريح.
وطن بلا جغرافيا
في ذلك الزمن، لم يكن الوطن خريطةً تُعلّق على الجدار؛ بل ممرّاً طويلاً بين الخبز والكرامة.
كانت المدن تغفو مبكراً، والبيوت تضجّ بصوت المذياع يروي أخباراً لا تتغير، والناس يعيشون في ظلّ الخوف كما يعيش النبات تحت الصقيع.
كل مدينة كانت سجناً بألوان مختلفة. كل شارعٍ كان قصيدةً ناقصة كتبها الزمن ثم نسي أن يُكملها...
حنين يجمّل الوجع
بعد مرور السنين، حين تهاجر الأجيال وتبرد الذاكرة، ننظر إلى الخلف فنقول: يا لذلك الزمن الجميل!
لكننا في الحقيقة لا نشتاق إليه؛ بل نشتاق إلى أنفسنا كما كنّا فيه؛ إلى براءتنا، خيالاتنا الصغيرة التي كانت تصدّق المعجزات...
الزمن لم يكن جميلاً. نحن الذين جمّلناه بحنيننا؛ لأنه لم يعد ممكناً العودة إليه.
خاتمة:
في "الزمن الجميل"، لم يكن عامة الناس يعيشون في المدن، بل كانوا يقيمون في فكرة الوطن لا في واقعه.
كانوا ينتظرون شيئاً لا يأتي، ويحلمون بوطنٍ يشبههم ولو في الخيال.
ذلك الزمن لم يكن جميلاً؛ لكنْ فيه وُلدتْ القدرة على الاحتمال، وفيه تعلّموا أن يضحكوا كيلا يبكوا، ويحلموا كيلا يموتوا!










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح