مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الصائغ.. حين كان الذهب يتنفس أنوثة
في الزمن الجميل، لم يكن الصائغ محض بائع للحُلي، بل كان شاعرًا بلون آخر، يكتب قصائده على رقائق الذهب، ويلوّن نبض النساء ببريق معدنه.
كان محترفه الصغير أشبه بمعبدٍ للنار المطيعة، يتقافز فيه الشرر كما تتقافز الأمنيات في قلب عروس.
هناك، بين المطرقة الصغيرة وسندانها، كانت تُصاغ الحكايات.. وتُوزن العواطف بالجرام.

الصائغ وذاكرة الضوء
في أزقة المدن القديمة، كان الصائغ يحتل مكانة تشبه مكانة العطار والخطاط.
دكانه الضيق تفوح منه رائحة النار والمعادن الممزوجة بالعطور الشرقية، وصوته ينساب مثل ترتيلة كلما طرق الذهب، بحذر العالِمين بالأسرار.
لم يكن يبيع سلعة، بل يهب ضوءًا مؤبدًا لمن يريد أن يخلّد لحظة فرح.

بين النار والحلم
كان الذهب في يديه يخضع كما تخضع القصيدة لقلب شاعرها.
كل قطعة يبدعها تحمل لمسة من وجدٍ خفيّ، كأنه يصنعها لامرأة يحبها في السرّ.
كم من خاتمٍ صاغه وعيناه تهربان إلى نافذةٍ تطل منها جارته الجميلة!
وكم من طقمٍ من الذهب كان يحمل صمت قصةٍ لم تكتمل!

الزبائن.. ومسرح الحكايات
كان الصائغ ممثلاً صامتًا في مسرح يومي لا يخلو من الدهشة.
تدخل عليه امرأة مترددة، تحمل في قلبها حكاية، وفي يدها سوار قديم تريد بيعه، بينما يراقبها الرجل الذي يرافقها بعينٍ تحصي الثمن لا الذكريات.
وهناك عروس تستشير أمها في نوع الخاتم، وأخرى تشتري أساور لتواسي وحدتها بعد الفراق.
ولكل زبونٍ فصلٌ في رواية الصائغ.

الأمانة أولاً
لم يكن الذهب يومها يُوزن فقط بالمثقال، بل بالضمير.
الصائغ في الزمن الجميل كان يُعيد القطعة المفقودة 
قبل أن يُسأل عنها، ويخفض السعر إن رأى الحاجة في عين الزبون.
وكان يُصلح -دون مقابل- حُليّ الأرامل والمحتاجات، لأن “البركة” عنده كانت أغلى من كل ربح.

بين الصائغ القديم 
وصالون اليوم
أمّا اليوم، فقد تغيّر المشهد.. تحوّل الدكان المتواضع إلى صالون فاخر للذهب والمجوهرات، تتلألأ واجهاته بالأضواء الباردة، وتزدان بأسماء أجنبية براقة.
لم يعد الصائغ يجلس وراء منضدةٍ خشبية، بل خلف شاشة إلكترونية، تحصي العيارات والأسعار، وتستقبل البطاقات اللامعة.
غابت المطرقة الصغيرة، وصمتت النار، وحلّت محلّهما آلات ناعمة التصميم.. لكن أين ذهب ذلك الدفء؟

ذهب اليوم.. بلا حرارة قلب
صار الذهب اليوم بارداً مثل واجهاته، يُشترى بالتقسيط ويُعاد بيعه حين تضيق الحال.
لم يعد يحمل روح المناسبة ولا أنفاس اليد التي صاغته.
كأنّ الصائغ القديم كان يصنع من الحبّ ذهبًا، بينما صائغ اليوم يصنع من الذهب تجارة مجنونة.

حكايات لا تصدأ
ورغم تبدّل الأيام، تبقى ذكرى الصائغ القديم حية في الذاكرة الشعبية: صورته جالسًا خلف منضدته الخشبية، يضع نظارته السميكة ويميل على قطعة صغيرة من الحليّ، ينفخ عليها بحنان كمن يوقظ طفلاً من نومه.
كان يعرف أن الذهب لا يصدأ.. لكنّ القلوب قد تصدأ إن نسيت معنى الوفاء.

خاتمة
هكذا كان الصائغ في الزمن الجميل: فنانًا من طراز خاص، يطرق الذهب كما يطرق الشاعر القافية، ويزن الجمال كما يزن القلب مشاعره. لم تكن النار تحرقه، بل تُضيئه.
أما اليوم، فقد بقي الذهب.. لكن اختفى ذاك الضوء الإنساني الذي كان يجعل من كل سوارٍ نبضة، ومن كل خاتمٍ وعدًا بالخلود.

أترك تعليقاً

التعليقات