مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
ذاكرةُ الخيوط.. حنينٌ يرفّ على أطراف الماضي
كلّ جيلٍ يطلّ إلى الوراء كمن ينظر من شرفة المساء نحو صباحٍ بعيد، تلوح في الذاكرة وجوهٌ بسيطة، وأصواتٌ اندثرت، وأشياء صغيرة كانت تحمل من المعنى أكثر مما تحمله مدن اليوم من صخب.
ومن بين تلك الوجوه والأصوات، ينهض "النول" الخشبيّ، شاهداً على زمنٍ كان الجمال فيه يُنسج بخيط الصبر، لا بأسنان الآلة.

آلةٌ تُغنّي بإيقاع الحياة
لم يكن النول الخشبي مجرّد أداةٍ للنسيج، بل كائناً نابضاً بالحياة، يُصدر أنغامه كما يُغنّي القلب حين يعشق.
كلّما هزّ النسّاج ذراعه وارتفعت دفّته، دوّى صوته كطبلةِ عرسٍ ريفيٍّ تُجاريها أنامل الخيوط في رقصةٍ ملوّنة.
كان النسّاج يعرف متى تصمت الخيوط ومتى تُنشد، يضبط إيقاعها بقدمه على الدوّاسة، ويعزف بأنامله سيمفونية الألوان والضوء.

ألوان لا تُخطئ القلب
من شمس الغروب استعار الأحمر القاني، ومن بساتين الغوطة الأخضر، ومن زرقة السماء ذلك النقاء، ومن قمح السهل الصفرةَ الدافئة.
كانت هذه الألوان تتعانق في لوحته الصوفية، لتُقيم على البساط عيداً من الضوء.
لم يكن النسّاج يقرأ في كتب "علم اللون"، ولا يقيس الانسجام بمقاييس النظرية، بل كانت عينه غريزةً تُبصر الجمال قبل أن تُدركه اللغة، وكأن الذوق قد خُلق في دمه مثل الموهبة الأولى.

ذاكرة البيت العربي
في كل بيتٍ من بيوت ذلك الزمن، كان هناك بساطٌ يروي حكاية النسّاج، ويدفّئ روح المكان.
فوقه يلهو الأطفال، وتغفو الجدّة قرب الكانون، ويتسامر الأهل حول فنجان القهوة.
كان البساط يحمل دفءَ الأيادي التي نسجته، ويخبّئ بين خيوطه شيئاً من رائحة السوق وضجيج الحارات القديمة.
زخارفه البدوية ونقوشه الشرقية، كانت تتحدّث جميعها لغة واحدة: لغة الإبداع والدفء الإنساني الحميم.

حكاية صبرٍ وعشق
كان النسّاج يقيس عمره بعدد البُسُط التي أنجزها، لا بعدد السنين التي انقضت.
فكل بساطٍ رحلةٌ من الصبر والإتقان، قد تمتدّ لأيامٍ أو أسابيع، والخطأ في خيطٍ واحدٍ كافٍ لأن يُعيد المسير من بدايته.
ومع ذلك، لم يكن يتأفّف، بل يبتسم وهو يقول: "اللي ما بيعرف يصبر، ما بيعرف ينسج".
كان النسيج عنده صلاةً من الخيوط، وتعبيراً عن إيمانٍ بأن الجمال لا يُولد إلا من رحم الصبر.

بين السوق والبيت.. رحلة الكدح الملوّن
كان النسّاج يجرّ عربته الخشبية المحمّلة بالبُسُط نحو السوق. يفرشها على الأرض كما يفرش الأمل على راحة المحبة، يرفع طرفها ليراها الزبائن، ويقول بفخرٍ يضيء وجهه: "هاد الشغل شغل إيد، مو ماكينة".
كان المارّة يتأملون البُسُط بإعجاب، وبعضهم يلمسها كما يُلامس ثياب العيد.
لم يكن النسّاج يبيع فحسب، بل كان يعرض روحه منسوجةً في خيوطٍ ملوّنة، ينتظر أن يراها تُبهج عيون الناس، فذلك هو ربحه الحقيقي.

نبض المدن الصغيرة
كان صوت النول في بيت النسّاج يعني أن الرزق ما زال يتنفّس، وأن المدينة لم تفقد قلبها بعد.
كان النسّاجون خيطاً ملوناً من نسيج المدينة نفسها؛ يعرفون الجميع ويُهدون خيوطهم في الأفراح والمناسبات، كما لو أنّ كل قطعةٍ تُقدَّم هي امتدادٌ من روح الألفة.
كان إيقاع أنوالهم موسيقى الحارات، تُخبر بأن في الزاوية ضوءاً لا ينام.

خاتمة:
ثمّ جاء زمن الماكينة، فصمتت الأنوال الخشبية واحداً تلو الآخر، وانطفأت الأغنيات التي كانت ترتفع من بين الخيوط.
غاب شيء من دفء البيوت. وغاب النسّاجون كما يغيب ضوء القنديل عن نافذةٍ قديمة.

أترك تعليقاً

التعليقات