مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
اللحّام.. حكواتي اللحم ودفء الحارة
في قلب الحارة القديمة، حيث تتعانق الأصوات مع حركة السوق، يقف اللحّام خلف طاولته الخشبية العريضة.
تلمع سكاكينه تحت ضوء الصباح، ويعلو الساطور كأنه مطرقة تضبط إيقاع الحي.
لا ينادي على بضاعته، فالرائحة وحدها تقوم بالمهمة: رائحة لحم طازج، ممزوجة ببهجة يوم جديد يبدأ فوق بلاط مبلل بماء الصباح.
بين يديه تتشكل وجبات البيوت، وتُرسم خريطة الطبخات اليومية، من "مقلوبة" إلى "محشي"... وكل قطعة لحم تذهب إلى قدر مختلف وقصة مختلفة.

سكاكين تستيقظ قبل الشمس
يصل إلى دكانه قبل أن تتحرك الحارة. يرفع الستارة المعدنية بصوتها المألوف، وكأن الدكان يقول: صباح الخير يا عالم!
يغسل الطاولة. يصفّ السكاكين. ويستقبل سيارة المسلخ ليتسلم حصته من الذبائح، ويعلقها في واجهة الدكان، ويبدأ بمغازلة إحداها بمهارة جراح خبير... ثم يستقبل أول زبون، بابتسامة تشبه الافتتاحية اليومية لمسرح صغير.
يعرف أن مهارته لا تُقاس بضخامة الساطور، بل بقدرته على معرفة طلب كل زبون بلا شرح طويل.

اللحّام الأمين.. ورأس ماله الحقيقي
في الحارات القديمة، الحرفي الأمين يصبح جزءاً من العائلة.
اللحّام الذي يعطي الناس ما يدفعون ثمنه، بلا غش ولا استسهال، يحظى باحترام كبير.
هو المرجع في المناسبات، والخبير في تحديد ما يناسب الطبخة: "المقلوبة" تحتاج قطعاً معينة، و"المحشي" يرفض اللحوم القاسية، و"الكباب" يؤمن بسحر "التتبيلة" قبل السكين...
زبائنه من النساء والرجال، من المسنين والشباب، يثقون به، لأنه يعرف أسرار مطابخهم كما يعرف أسرار اللحم نفسه.

اللحّام الغشّاش.. وفضيحة سريعة الانتشار
لكن في كل حارة هناك النموذج الآخر: لحّام يحاول خلط نوع بنوع، أو تخفيف الوزن بلمسات خفية.
مثل هؤلاء لا يصمدون طويلاً؛ فالحارة كائن حيّ له حاسة شمّ لا تخطئ، وسرعان ما تنتشر الفضيحة كأن السكين التي بين يديه انقلبت عليه.
العائلات تتجنبه، والزبائن يعبرون من أمام دكانه بنظرات منكرة، ولا يكتفون بذلك، بل يؤلفون عنه القصص والنكات للتشهير، ومن أشهر ما يُروى في الحارات: رجل كان على فراش الموت، استدعى زوجته وقال لها بصوت واهن: "يا مرة، بس اموت، بترجاكي تتزوجي اللحّام أبو زهير".
نظرت إليه مذهولة: "وليش يعني؟! بتحبه كتير هالقد؟!".
ردّ وهو يلتقط أنفاسه الأخيرة: "لك لا يا مرة، بس ها الزلمة كان يغشّني باللحمة طول عمري، وبدّي أغشّه ولو مرّة واحدة، ولو بعد ما موت!".

الصبي.. ظلّ اللحّام وحامل البشارات
كل لحّام لديه صبي صغير؛ يجري بين الدكاكين، يحمل الأكياس إلى بيوت الزبائن، يعرف العناوين قبل أن يجيد القراءة، ويعرف أسماء الطبخات قبل أن يتعلم جدول الضرب.
هو رسول اللحّام إلى البيوت. يطرق الأبواب بابتسامة واسعة، ويعود محمّلاً بالنقود والكلام الطيب، وأحياناً ببعض العتاب الخفيف من نساء الحارة.

ثرثرة الدكان.. أنت هنا تأكل قبل أن تطبخ
اللحّام يحب الكلام، يثرثر وهو يقطع اللحم، يحكي آخر الأخبار، يضيف رأيه في السياسة، ويتحدث عن ارتفاع الأسعار كأنه خبير اقتصادي.
حركة السكين عنده ليست مجرد تقطيع، بل موسيقى يومية يعرفها السوق: طقطقة، فَصل، "طرقعة"... ثم يبتسم اللحّام ابتسامته التي تنزع التوتر من قلب الزبون، وكأنه يقول: "اطمئن، لن يخرج أحد من دكاني غير راضٍ".

نهاية النهار.. إغلاق يشبه هدنة
بعد أن يهدأ السوق، يمسح اللحّام طاولته، يجمع بقايا العظم، ويغسل السكاكين واحدةً تلو الأخرى، وكأنه يطفئ صوت اليوم.
ينظر إلى الدكان بفخر صغير، فهو يعرف أنه غداً سيعود، ليكون شريكاً في مائدة كل بيت، من صينية البطاطا إلى يخنة الباميا.
يغلق الباب، ويمشي في الزقاق تاركاً خلفه رائحة خفيفة تقول: كان هنا رجل يعرف كيف يقطع اللحم، وكيف يحافظ على محبة الناس.

خاتمة:
اللحّام ليس بائع لحم فحسب، بل مَعْلم من ذاكرة الحي، فقد كان جزءاً من يوميات الناس، ومن طباعهم، ومن طريقتهم في فهم الحياة.
ومهما تغيرت العادات، تبقى صورة اللحّام شاخصة في الذاكرة: ساطوراً في اليد، ابتسامة على الوجه، ودكاناً صغيراً يلمع في آخر الزقاق.

أترك تعليقاً

التعليقات