مروان ناصح

مـروان نــاصح / لا ميديا -
الفاكهاني.. عبق البساتين في قلب السوق
في السوق التي تذوب فيها أشعة الشمس على وجوه المارة، ويقف العالم كله على أعتاب الرائحة واللون، هناك، بين صناديق خشبية وأكوام من الفواكه، يقف الفاكهاني.
يمسك التفاح، البرتقال، الرمان، الموز... بيديه اللتين تعلّمتا سر الحياة على الأرض، ويعرف أن لكل ثمرة قصة، ولكل رائحة حكاية، وأن الزبون لا يشتري فاكهة فحسب، بل يشتري لحظة فرح، نكهة الصباح، وبسمة الطفولة.

دكان صغير.. عالم كامل 
صندوق خشبي هنا، سلة حبال هناك، والألوان تترنم: الأحمر يغازل الأخضر، والبرتقالي يهمس للأصفر...
الزبائن يمرون، لكنهم يقفون عند دكانه، كما يقف البحّار عند الشاطئ بعد رحلة طويلة.
تلمع عيونهم، تشتهي الألوان قبل الطعم، والفاكهاني يبتسم، يمد يده، يختار الأفضل لكل زبون.

لكل ثمرة حكاية
ليس كل التفاح واحداً، ولا كل البرتقال يشبه الآخر...
يحكي الفاكهاني عن البساتين التي أتت منها الثمرة، عن الفلاحين الذين قطفوها، وعن الشمس والمطر اللذين صاغا عذوبة مذاقها...
وهكذا، مع كل فاكهة، يروي للزبون حكاية قصيرة، تجعل شراء التفاح أو الكمثرى أشبه باقتناء قصيدة مكتوبة باللون والرائحة.

الأطفال والسحر اليومي
الأطفال يحبونه، فهو يعطيهم حبات عنب أو كمثرى صغيرة، ويهمس في آذانهم: هذه من الشمس مباشرة، لتتذوقوا النور!
تتلألأ عيونهم كما تتلألأ قطرات الندى على أوراق الخوخ، ويرددون خلفه أسماء الفواكه كأنهم يحفظون سحراً، ويبتسم الفاكهاني، لأنه يعرف كيف تولد المحبة للأرض والثمار.

يومياته وطقوس السوق
مع ساعات الصباح الأولى، يفتح الدكان، ويرتب الفواكه أول قدومها، بدقة فنية.
الزبائن يأتون، كلٌ يحمل وجهاً مختلفاً، لكن الجميع يجد عنده الراحة، فهو يعرف من يشتهي الحامض، ومن يهوى الحلو، ومن يحتاج للون ليبهج قلبه...
اليد التي تلمس التفاحة، هي نفسها التي تلمس القلب. وهكذا، تتحول التجارة اليومية إلى طقس من السعادة البسيطة، والانسجام مع الحياة.

رسول الألوان والحياة
يوزع الفاكهاني الألوان كما توزع الألحان، يصنع بهجة من الأحمر والأخضر والبرتقالي... يجعل من السوق حديقة صغيرة، ويحول لحظات المارة العابرة إلى احتفالات قصيرة باللون والطعم والرائحة.
كل ثمرة في يده تشبه لوحة صغيرة، وكل ابتسامة من زبون، هي شهادة على نجاحه في إشاعة الجمال اليومي.

إرث ذاكرة المدينة
عندما يمشي عبر السوق في نهاية النهار، يكون قلبه ممتلئاً بالذكريات: ضحكات الأطفال، تحيات الجيران، والشمس الغاربة التي تصبغ الفواكه باللون الذهبي الأخير.
فالفاكهاني لا يبيع فاكهة، بل يزرع في ذاكرة المدينة رائحة البساتين والحقول، ويترك أثراً من الجمال والبساطة لا يُمحى بسهولة.

خاتمة:
هكذا كان الفاكهاني، رجلاً واسع الأفق، يصنع من يومياته لوحة لحياة نابضة، ويذكرنا بأن الجمال ليس فيما نراه فحسب، بل فيما نشارك به الآخرين:
ضحكة طفل، كلمة لطيفة، وثمرة من روح الشجر إلى قلب الإنسان.

أترك تعليقاً

التعليقات