عبء الهيمنة!
 

ابراهيم الحكيم

إبراهيم الحكيم / لا ميديا -
تسير معطيات عدة محلية وإقليمية ودولية، باتجاه نتيجة واحدة مفادها هرم دور السعودية في المنطقة وانفلات حبات «سبحة» الهيمنة الإقليمية، على نحو يقود إلى مآل انهيار المركز الإقليمي، الهدف السعودي المُنفق عليه تريليونات الدولارات طوال عقود.
يبرز بين هذه المعطيات، فشل الحرب الأمريكية -»الإسرائيلية» على إيران ودور السعودية ودول الخليج فيها، تمويلا وقواعد، وفق ترامب، وإخفاقها في تحقيق هدف إضعاف إيران وتقويض نفوذها الإقليمي قائدا لمحور مقاومة الكيان الصهيوني.
ينعكس هذا في عرقلة محور المقاومة قطار «التطبيع الإبراهيمي» مع كيان الاحتلال الصهيوني، وإعاقة الإشهار الرسمي لواقع تصفية القضية الفلسطينية باستكمال ابتلاع كيان الاحتلال «الإسرائيلي» الأراضي الفلسطينية (الضفة وغزة) وجنوب لبنان وسوريا...
كذلك يأتي بين أبرز المعطيات فشل السعودية في اليمن، وإخفاق تدخلها العسكري في تحقيق أهدافه المعلنة وغير المعلنة، يفسر الإصرار السعودي على إرجاء حسم الحرب في اليمن والانتقال من الهدنة إلى السلام واستحقاقاته المتفق عليها نهاية 2023م.
باء التدخل العسكري السعودي في اليمن وإطلاقها عدوان «عاصفة الحزم» في 26 مارس 2015م؛ بفشل استعادة زمام السيطرة على القرار اليمني وإعادة اليمن إلى حظيرة الوصاية السعودية، بما في ذلك هيمنة الرياض في جنوب اليمن.
قاد التدخل السعودي في اليمن بتحالف «تفريق دماء اليمنيين» إلى إيجاد نفوذ منافس للرياض ومنازع قوي لهيمنتها حد الاشتباك العسكري معه، بقصف سفينتي أسلحة إماراتيتين وافدة للتشكيلات المسلحة الموالية لأبوظبي في جنوب اليمن.
فعليا احتدام التنافس السعودي -الإماراتي على «المركز الإقليمي» سياسيا واقتصاديا وتطبيعيا، فاقمه صراع النفوذ العسكري، ليس في اليمن فقط، بل والصومال والسودان وسوريا ومصر وغيرها من دول الثقل الجيو-استراتيجي في المنطقة.
تبعات قرار السعودية إنهاء النفوذ الإماراتي المنافس، أقحم الرياض في أعباء مالية كبيرة، اصطدمت مع التزامات مالية ضخمة لـ»رؤية 2030» الطموحة إلى تنويع الموارد الاقتصادية وتحويل السعودية إلى مركز استثماري إقليمي وعالمي.
تحاول السعودية إظهار إدراكها خطر استمرار تقويض الدولة في اليمن وسيادته على أمنها القومي ونفوذها الإقليمي وممرات صادراتها من النفط والغاز عبر البحر الأحمر، وتقديمه مبررا لتحركها الأخير نهاية 2025م لاستعادة زمام السيطرة متأخرا.
لكن وعلى الرغم من رفع السعودية شعار دعم ما سمته «استعادة الدولة في اليمن»، إلا أن هذا لا يلغي إصرار الرياض على مواصلة نهج «إدارة أزمة وصراع» في اليمن، بتجميدها تسوية «خارطة السلام في اليمن»، وتبعا مزيد من الاستنزاف.
يأخذ هذا الاستنزاف للسعودية منحيين: الأول مالي عبّر عنه إعلان الرياض «تخصيص ثلاثة مليارات دولار خلال العام الجاري لدفع رواتب التشكيلات العسكرية لفصائلها (منها مليار دولار رواتب التشكيلات الموالية للإمارات)، وموظفي الدولة في جنوب اليمن.
يضاف إلى هذا الالتزام المالي لاستمرار وكلاء النفوذ السعودي في اليمن، تخصيص ملياري دولار «لدعم تعافي الاقتصاد (تثبيت سعر صرف الريال اليمني عند 1500 ريال للدولار الواحد)، وتحسين الخدمات وتوفير وقود محطات توليد الكهرباء». أداة إخضاع جنوب اليمن.
أما المنحى الثاني فيظهر سياسيا مغلفا بخيار عسكري مؤجل حال أي تصعيد للحرب في اليمن بقيادة «أنصار الله». يرتكز هذا المنحى على إحكام الضغط اقتصاديا على اليمن، بهدف «الاحتواء» واستعادة مركزية النفوذ والهيمنة للسعودية في اليمن.
يتجلى هذا بتجميد الرياض تسوية «خارطة الطريق للسلام في اليمن» والتهرب من استحقاقاته يتصدرها: تعويضات ضحايا الحرب، إعادة الإعمار، دفع رواتب موظفي الدولة لعشر سنوات، وسحب قوات التحالف والقوات الأجنبية من جميع الأراضي السعودية.
تبدو السعودية كمن اختار اعتماد استراتيجية «العصا والجزرة» باتخاذها من ملف جنوب اليمن وانفصاله ورقة ضغط على فصائلها الجنوبية والشمالية، باتجاه ربط تطلعاتها «الانفصالية» و»الوحدوية» بشرط «إنهاء الحرب مع أنصار الله سلما أو حربا».
ترى الرياض في هذا الملف ورقة ضغط أيضاً على سلطات «أنصار الله». لكنها في الواقع اختارت بهذا النهج استراتيجية «الهروب إلى الأمام»! يؤكد هذا إعادة الرياض إنتاج تحالفات إقليمية لاكتساب أوراق ضغط بمواجهة «أنصار الله» ومحور المقاومة عموما.
لكن تفضيل السعودية الاستمرار في مغامرة «إدارة أزمة» و»إدارة صراع» في اليمن من دون الاستفادة من دروس سوء تقدير الموقف وخطأ حسابات التدخل العسكري في اليمن؛ يورط السعودية أكثر في مأزق الاستنزاف لمواردها وأوراقها، وتبعا حلمها في المركز الإقليمي للمنطقة.

أترك تعليقاً

التعليقات