مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
القناديلي.. صانع القناديل وبائع الضوء
حين كان الضوء يُصنع باليد قبل أن تملأ الكهرباء الشوارع والبيوت، كان هناك رجل يحمل الضوء في يده، ويصنعه للآخرين.
إنه القناديلي؛ رجل يعرف أن كل شعلة تمنح سعادة، وأن كل مشهدٍ مضاء بالقنديل له رائحة وذاكرة، وربما.. حكاية.

ورشة الضوء والظل
في ورشته، النحاس يتعلّم اللمعان، والبرونز يهدأ تحت المطرقة، والزجاج يتلوّن كأنه يُعمَّد.
القناديل معلّقة، لا للعرض، بل انتظارًا لساعة الاشتعال، حين ينسكب الضوء، وتنشطر الجدران إلى ظلٍّ ونور.

النور.. قلب البيت والعالم
القناديلي لا يصنع القناديل فحسب، بل يصنع الطقس والمزاج والدفء.
يختار اللون، يحدّد حجم الفتيلة، ويزن كل تفصيلة بدقّة.
ويبتسم حين يرى طفلًا يرفع رأسه مندهشًا من بريق الضوء.
ويردد: «النور له قلب»، ويعرف أن كل بيت يحتاج إلى هذا القلب.

البائع الحكواتي
هنا، لا يكون البيع منفردا، فالقناديلي حكواتي أيضًا.
كل قنديل له قصة: «هذا للزفاف» و«ذاك للمولد»، و«هذا لمن يطلب الدفء والأمان».
الزبائن لا يشترون معدنًا، بل يحصلون على ضوءٍ يكشف المعنى، يضوي الأمكنة.. ويسعد القلوب.

طقس المساء في ورشة القناديل
في المساء، حين تُغلق المحلات الأخرى، يُشعل القناديلي قناديله في الورشة، ويجلس أمامها متأملًا انعكاس الضوء على الزجاج.
يهمس للقناديل كما يهمس للناس: كل شعلة تحكي عنكم.. وتروي حكاية زمنكم المضيء.

درس الضوء
القناديلي لا يثق بالصدفة.
يعرف أن لكل لون مزاجًا، ولكل فتيلة عمرًا، ولكل شعلة مقامًا.
يقيس النفَس، ويُصغي للزيت، ويعرف أن النور لا يُستعجل، وأن العجلة تُطفئ أكثر مما تُضيء.

الإنسان والزمن
مع مرور الزمن، جاءت الكهرباء سريعة.. بلا طقس، بلا ظل، بلا لون. فصارت ورشة القناديلي ذكرى.
لكن من عرفوه يعرفون أن كل قنديل كان يشع ضوءًا وذكريات، وأن كل شعلة كانت تبدأ قصةً جديدة في الليالي الهادئة.

خاتمة: الضوء الذي لا ينسى
رحل القناديلي، لكن ذكرى النور الذي صُنِع باليد لا تزول.
يبقى أثره في العتمة الهادئة، وفي الأماكن التي ترفض الضوء الجارح.
هناك، ما زالت شعلةٌ تعرف اسم صانعها، وتشتعل.. لا لتُضيء، بل لتذكّر بأن للنور روحًا، وأن الظل كان يومًا شريكًا لا عدوا.

أترك تعليقاً

التعليقات