مروان ناصح

مروان نــاصح / لا ميديا -
الفحَّام.. سيّد السواد الذي كان يعرف بيوتنا
في ذلك الشتاء البعيد، لم يكن الدفء يأتي من زرّ، ولا من سلك، ولا من فاتورة آخر الشهر.
كان يأتي من المدفأة التي تلتهم الحطب، ومن كانون صغير في الزاوية، ومن رجلٍ يخرج من السوق مغطّى بالسواد كأنه خرج تواً من جوف النار: الفحّام.
لم يكن سيّد الدفء، بل سيّد النار حين تهدأ، وسيّد الجمر حين نريده مطيعًا، وسيّد السهرة حين تُشعل الأركيلة، وتبدأ الحكايات.

دكّان أسود.. لا يخيف
كان دكّانه في طرف السوق، قريبًا من العطّارين، وبعيدًا قليلًا عن الخضريّة.
واجهة سوداء لا لمعان فيها، باب نصف مفتوح، وأرض تغطّيها طبقة فحم ناعمة تحتفظ بآثار أقدام الناس.كما تحتفظ الذاكرة بالوجوه.
رائحته ليست خانقة، بل مألوفة.. رائحة نارٍ عاقلة، نار تعرف حدودها.

بيت بعينه.. وشتاء لا يُنسى
أذكر بيتنا جيّدًا. غرفة الجلوس الصغيرة، مدفأة الحطب تشتعل في الوسط، والحطب يتكسّر ويئنّ ككائن حي.
لكن حين يهدأ اللهيب، وتبدأ السهرة الطويلة، يدخل الأب قطعة فحم، ثم ثانية، ثم ثالثة.. لا لتدفئة الغرفة، بل لتُبقي النار يقِظة دون ضجيج.
الفحم كان مكمّل الحكاية، لا بطلها.

الفحم.. حين تصبح النار مهذّبة
كان الفحّام يقول: "الحطب نارٌ ثائرة.. الفحم نارٌ متربية".
نشتري منه الفحم للأوقات التي نحتاج فيها إلى: جمرة لا تنطفئ سريعًا، نار لا تلسع، حرارة تُمسك الزمن ولا تحرقه.
كان الفحم يُطيل عمر الجمر، كما تُطيل السهرة عمر المساء.

الأركيلة.. والامتحان الحقيقي للفحم
هنا يُختبر الفحّام حقًا.
ليس في المدفأة، ولا في الكانون، بل فوق رأس الأركيلة.
الفحم الرديء: يفرقع، ينهار، يفسد المزاج. والفحم الجيّد: يستوي ببطء، يشتعل بصمت، ويجعل النفس ناعمًا، كأنه يخرج من ذاكرة لا من صدر.
كم من جلسة قامت، وكم من صداقة استمرّت، وكم من حكاية طالت، بفضل قطعة فحم جيّدة اشتراها أحدهم من "فلان الفحّام".

يداه.. شهادة بلا كلام
لم تكن يدا الفحّام نظيفتين يومًا، لكنّهما كانتا صادقتين.
السواد متغلغل في الخطوط، تحت الأظافر، وفي ثنيات الكف.
ومع ذلك، حين يناولك الكيس، تشعر أنه يناولك خبرته، لا بضاعته فقط.
كان الناس يقولون: "يد الفحّام سوداء.. لكن ناره مضمونة".

زبائن يعرفهم قبل أن يتكلموا
كان يعرف: من يريد الفحم للأركيلة، من يريده للشواء، من يريده للكانون. لا يسأل كثيرًا، ولا يشرح طويلًا، يضع الكمية المناسبة، وكأن بينه وبين البيوت اتفاقًا قديمًا.

حياة أخرى بعد الخشب
الفحم ليس حطبًا محروقًا، بل خشبٌ تعلّم الصبر.
مرّ بالنار، وتخلّى عن اللهيب، وبقي يحتفظ بالحرارة.
وهكذا كان الفحّام: لا يبيع نارًا، بل يبيع مقدرة على الاحتمال.

خاتمة
كبرنا، وتغيّرت البيوت، وجاء الغاز والكهرباء، وأطفآ كثيرًا من الطقوس.
لكنّنا، كلما رأينا جمرة هادئة، أو سمعنا فرقعة فحم فوق أركيلة، أو شممنا رائحة شواء قديم، تذكّرنا ذلك الرجل "الأسود" الذي لم يكن يدفئ بيوتنا، بل كان يُدفئ لحظاتنا.
ذلك كان الفحّام.. سيّد السواد، وصديق النار حين نريدها أن تبقى.

أترك تعليقاً

التعليقات