«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 1٧1
- مروان ناصح الأربعاء , 2 سـبـتـمـبـر , 2026 الساعة 12:52:00 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
الرفّاء (الرّتّا).. السيّد على الخروق وصانع ذاكرة الأقمشة
قبل أن تفيض الأسواق بواجهات الملابس الجاهزة، وقبل أن تُصبح الثياب سلعة تُلبس اليوم وتُنسى غدًا، كان هناك رجل يحمل في يده إبرة، وفي قلبه حنان، وفي مهنته رسالة خفية.. ذلك هو الرفّاء.
هو الذي يجمع تمزقات الثياب، كما يجمع القلب شتات الذكريات، يضم الخروق بعضها إلى بعض، كأنه يرقّع الزمن نفسه، ويعيد للقطعة الباهتة هيبتها ودفئها ومكانتها في حياة أصحابها.
كل غرزة منه حكاية، وكل حركة من يده نشيد صبر، وكل خيط يمتد فوق القماش حبل حياة جديدة.
أداة العمل.. سلاح الرفق والدقة
إبرة صغيرة، خيط ممتد كنسمة، وقطعة قماش مساعدة.. هذه ليست أدوات فنية فحسب؛ إنها أدوات نجاة.
الإبرة ترقص فوق ثوب ممزق، كراقصة خجلى على مسرح صامت، والخيط يمد جسراً بين ما كان وما سيكون، يربط ماضي القماش بحاضره، ويعيد له كرامته وبهاءه.
بهذا السلاح المتواضع، كان الرفّاء يواجه الزمن، ويقول له: "لن تنتصر على كل شيء".
ورشة صغيرة.. وعالم واسع من الذكريات
يجلس الرفّاء في ركن قصيّ من السوق، مكان صغير بالكاد يسع جسده وأدواته، لكنه في الحقيقة عالم كامل نابض بالألوان والظلال.
هناك خيوط بألوان الطيف معلّقة كحبال نجاة، وأقمشة تحمل روائح العمر: رائحة قطن شرب عرق الأيام، وصوف احتضن برد الشتاء، وأقمشة خفيفة أهدتها الأعياد لحظاتها حين كانت جديدة.
بين رفوفه الصغيرة تختبئ حكايات بيوتٍ كاملة أفراح ومناسبات وذكريات لا تريد أن تُمحى.
الزبائن.. ودفاتر الحكايات المفتوحة
يأتيه الأطفال باندهاش عيونهم الواسعة، يتابعون حركة الإبرة كأنهم أمام عرض سحري.
وتأتيه النساء يحملن ثياباً ممزقة ولكنها غالية، ليست قيمتها في ثمنها، بل فيما تحمله من عمرٍ عاشته معهن.
يبتسم الرفّاء، يهدّئ القلق، ويحكي قصصاً صغيرة عن كل غرزة وعن أسرار القماش، وفي كل إصلاح درس غير مكتوب عن الصبر.. عن إمكانية ترميم الأشياء بدل رميها.. عن أن الجمال أحياناً يولد من الندبة.
الألعاب البصرية.. ورقص الخيوط
تشابك الخيوط لعبة جميلة لا يجيدها إلا محترفو الود.
الأصابع تتحرك بخفة ونعومة، كأنها تعزف لحناً خفياً لا يسمعه إلا القلب.
عين الناظر تتبع حركة الإبرة، والإبرة بدورها لا تخطئ طريقها، حتى الخيوط الملونة لا تبقى مجرد ألوان، بل تتحول إلى رسائل صغيرة من الفرح، إلى شرايين حياة تُضخ من جديد في جسد الثوب.
الصبر.. فن لا يتقنه إلا الرفّاء
يعرف الرفّاء أن كل قطعة تحتاج إلى وقتها، وأن العجلة خيانة للجمال.
يعرف أن المطلوب ليس مجرد سدّ فتحة، بل إعادة روح، وأن الدقة ليست مهارة يد فقط، بل نية قلب يحترم عمله ويحب تفاصيله.
وهكذا، تصبح الخروق التي كانت عنواناً للبِلى، ذكرى إصلاح جميل، وشاهداً على يدٍ لم ترحمها الحياة، ولكنها ما زالت تُصلح وتمنح.
حين مضى الزمن.. بقيت الذكرى
مع تطور الزمن وغزو الملابس الجاهزة لكل بيت، انسحبت مهنة الرفّاء شيئاً فشيئاً، وأُغلقت كثير من الورش الصغيرة التي كانت تنبض دفئاً.
لكنّ ظلّه لا يزال يعيش في ذاكرة من عرفوه، في كل ثوب قديم مُصلح، في حديث جدّة تحكي عن ذلك الرجل الذي كان يعيد الحياة، إلى الأشياء كما لو كان يعيد ترتيب العالم.
رمز الإبداع والعناية بالتفاصيل
لم يكن الرفّاء مجرد صاحب مهنة؛ كان معلماً للحياة دون أن يدّعي التعليم.
كان فنان التفاصيل الصغيرة، يحمي الأشياء من الفناء، ويمنحها فرصة أخرى لتعيش، ويذكّر الناس أن الجمال ليس في الجديد فحسب، بل فيما يُرمّم بحب، وما يُعاد إليه الاحترام.
خاتمة
ربما اختفى الرفّاء من الأزقة والأسواق، لكنّه لم يختف من القلوب.
ظلّ في روح من عرف معنى الإصلاح، وفي كل يد تحاول أن تُصلح بدلاً من أن تُهمل، وفي كل قلب ما زال يؤمن أن الزمن الجميل يعيش.. ما دامت هناك يد تحب ما تصنع، وعين ترى الجمال حتى في قطعة قماشٍ مثقوبة.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح