«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 1٤4
- مروان ناصح الأربعاء , 15 يـولـيـو , 2026 الساعة 1:39:30 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
السلّال.. صانعُ الضوء من الخوص وناسجُ الذاكرة
في الأزقة التي كانت تمشي فيها الشمس على مهل، وفي الأسواق التي تعلّمت من الناس طيبة الابتسامات، كان يظهر السلّال؛ ذلك الحرفي الذي يحوّل خوص النخيل إلى أوانٍ تنبض بالحياة.
كان وجهه مسقوفًا بالطمأنينة، ويداه كتابين مفتوحين على أسرار الحرفة، ينسج من الخيط والقصبة شيئًا يشبه الدفء القديم الذي لا يشيخ.
ولم يكن السلّال يبيع سلالًا فحسب.. بل يبيع حكايات من الضوء، وخبراتٍ مرّت من يد الجد إلى يد الأب، ومن قلب الريح إلى قلب الزبون.
حين يستيقظ السوق على خشخشة الخوص
كان يبدأ نهاره بعد طلوع الشمس، يفرش أمام دكانه حزَم الخوص التي نقعتها الليلة الماضية.
يرتبها كما يرتب العازف أوتار عوده، ثم يجلس جلسة الصبر الطويل ويبدأ بالنسج.
كل حركة من أصابعه تشبه خطوة راقصة، وكل صوت يصدر عن تشابك الخوص، يُشبه همس نهر صغير يعبر السوق.
دكان صغير.. لكنه نافذة
على الريف القديم
كان دكانه شبيهًا بعشٍّ كبير؛ سلال معلقة في الأعلى، أطباق منسوجة في المنتصف، وأوانٍ مختلفة الألوان مصطفة كرتل من الجنود الهادئين.
وكان الداخل إلى المكان يشمّ رائحة الأرض.. رائحة الشمس حين تجفّف الخوص، ورائحة الأزمنة حين تتعب وتحطّ على كتف السلّال لترتاح.
مهارة يدٍ تعرف طريقها،
حتى لو أغمضت العينين
لا يحتاج السلّال إلى النظر كثيرًا، فكل خيط يعرف مكانه، وكل عقدة تذهب إلى قدرها.
كانت يداه تتحركان بسرعةٍ يطمئن لها القلب، كأن بين أصابعه موسيقى مخفية.
وقد يخاطبه أحد الزبائن، فيردّ عليه مبتسمًا، دون أن تتوقف يداه عن العمل، كأن النسج جزء من نبضه.
الزبائن.. وكلٌّ يبحث
عن سلة تشبهه
كان السلّال يرفع بصره نحو كل من يقترب، فيقرأ حاجته قبل أن ينطق.
هذا يريد سلة للحاجيات اليومية، وتلك تبحث عن طبق يليق ببيتٍ تحبّه، وطفل صغير يريد سلة صغيرة، لحفظ كنوزه من الحصى والأصداف.
وكان يقول لهم دائمًا: "السلة ليست وعاءً.. إنها مزاجُ يدٍ وصبرُ قلب".
وكان كل زبون يخرج مبتسمًا، كمن اقتنى قطعة من روحه لا مجرد سلعة.
الألوان.. حين يتصادق
الخوص مع الصبغات
لم يكن السلّال يكتفي بلون الخوص الطبيعي؛ كان يغلي الصبغات في قدور صغيرة خلف الدكان، فيغمس فيها الخيوط، لتخرج بلون الشمس أو لون البحر أو لون الرمان.
ثم يمزج الألوان كما يمزج الرسام ضربات فرشاته، فيصنع سلالًا تشبه لوحات الريف المزهور.
وكان بعض الزبائن يأتون ليشاهدوا معرضه الصغير.. معرضًا منسوجًا بالضوء.
السلة التي تحمل
ذاكرة البيوت
كانت سلاله تدخل البيوت بلا استئذان، ثم تبقى فيها سنواتٍ طويلة.
تحمل الخبز الساخن، أو تحفظ التمر، أو تستقبل رسائل الصدفة من الطبيعة.
وكان الناس كلما رأوا تلك السلال في زوايا بيوتهم، يتذكّرون ذلك الرجل الذي يجلس أمام دكانه مبتسمًا، ونسجه يلمع تحت الشمس كأنه خيط من الحنين.
حكّاء السوق.. الذي ينسج الكلام كما ينسج الخوص
لم يكن السلّال صانعًا فحسب، بل كان راويًا بارعًا.
يحكي لزبائنه عن أنواع النخيل، وعن الطرق القديمة لصنع السلال، وعن الأيام التي كانت فيها القرية كلها، تعتمد على مصنوعات الخوص.
وكان صوته هادئًا، ينساب مثل الماء، فيجعل من الدكان جلسةً دافئة، يستريح فيها المسافرون وأبناء السوق على السواء.
وحين يودّعه الزبون، يشعر أنه ترك خلفه شيئًا من قلبه.
خاتمة
هكذا كان السلّال.. رجلًا يجلس في زاوية السوق لكنه يملأ المكان بالحياة.
يده تصنع، وصبره يغنّي، وخوصه يروي تاريخًا لا يُكتب بالحبر، بل بخيوط الشمس.
وحين تمضي الأيام، وتكبر المدن، ويغيب الكثير من المهن، يبقى السلّال أحد أجمل شهود الزمن الجميل..
شاهدًا على عصرٍ كانت الأشياء تُصنع بحب.. والقلوب تُنسَج كما تُنسَج السلال: بخيطٍ من ضوء.. وخيطٍ من ذكريات.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح