مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الممرّض.. الحارس الصامت للصحة والذاكرة
في مستشفى قديم، تملؤه رائحة المرهم ودفء الشتاء، حيث يتلوى ضوء المصابيح الخافت على الأرض الباردة، يظهر الممرّض كظل صامت، يحرس حياة المرضى ويغزل معها ذكريات صغيرة.
هو الذي يقف بين الألم والراحة، بين التعب والشفاء، ويعرف أن الشفاء لا يُقاس بالأدوية وحدها، بل باليد الحانية، وبصوت يواسي، وابتسامة تُضيء قلب الطفل الذي يخشى الحقنة، أو الشيخ الذي ينسى نفسه في الزوايا.

الليل الطويل.. 
وقت الإنسان الصامت
الساعات عنده ليست مجرد عقارب، بل هي نبض مستشفى قديم يختبئ بين الجدران العتيقة.
في الشتاء البارد، حين تتجمد أصابع المرضى، يجوب الغرف، يبدد الخوف والبرد بابتسامة، وبلمسة تدفئ أكثر من أي مدفأة.

المرضى.. أصدقاء الرحلة
كل مريض نافذة على عالم مختلف: الطفل المرتجف، الشيخ الذي يضيع بين الأسلاك، المرأة التي تخشى الألم...
الممرّض يروي لهم حكايات قصيرة، يبتسم لهم كما يبتسم الجد للصغار، يخفف ثقل المرض، ويزرع إنسانيته بين الأسلاك والأجهزة الباردة.

الصبر.. لغة الزمن البطيء
الصبر عنده ليس فضيلة، بل حياة.
صبر يتحمل الصراخ والبكاء والانتظار الطويل، يتحول إلى لمسة، إلى كلمة طيبة، إلى حضن صامت، يجعل من الغرف الباردة أماكن مألوفة ودافئة.

جسر بين الطبيب
والمريض.. حبل الأمان
الممرّض حلقة الوصل بين خبرة الطبيب وفهم المريض.
يشرح، يطمئن، يربط بين الألم والمعرفة، ويحوّل خوف المرضى إلى شعور بالأمان.
هو الجسر الذي يمنع الليل الطويل من أن يصبح وحشاً، ويجعل اليوم الجديد وعداً بالحياة.

الأدوات.. أصدقاء الرحلة
في حقيبة الممرّض: السماعات، الحقن، الضمادات... كلها أصدقاء يتحرك معهم كما يتحرك الطفل مع دميته.
يستعملها لقياس حرارة المريض، لضبط ضغطه، وليروي له أن الحياة مستمرة، حتى في الصمت، حتى في الغرف الخافتة.

أثره.. دفء يبقى
كلمة طمأنة، لمسة حانية، تذكير بسيط... كلها تصبح جزءاً من شفاء القلب قبل الجسد.
يبقى الممرّض في ذاكرة كل مريض، كما تبقى رائحة الشاي في بيت الطفولة، أو ضحكة صديق قديم في زوايا المدينة، يجعل الألم هدوءً، والليل الطويل صباحاً جديداً.
في الممرّ الطويل، حيث ينام الضوء متعباً على البلاط البارد، كان الممرّض يمشي ببطء، كأنّه يخاف أن يوقظ الألم.
يمدّ يده، لا ليقيس نبضاً فحسب، بل ليقول للجسد المرتجف: لستَ وحدك؛ أنا هنا، لأرفع عنك سطوة الليل قليلاً.

خاتمة:
الممرّض ليس مجرد مؤهل أو وظيفة، بل قلب نابض في جدران المستشفى القديمة.
يحمل أعباء الناس بصمت، ويزرع الطمأنينة حيث يسيطر الألم.
ومهما تغيرت الأجهزة أو التكنولوجيا، يبقى دوره ثابتاً: رجل يراقب الحياة من زاوية هادئة، يصنع الفرق بين يوم حزين ويوم مشرق بالدفء والحنين.
الممرّض، الحارس الصامت للصحة والروح والذاكرة.

أترك تعليقاً

التعليقات