مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
المنجِّم.. عاشرَ النجومَ بحذر
منذ أن رفع الإنسان رأسه لأول مرة نحو السماء، لم يرَ فيها فراغًا أزرق، بل لغزًا معلّقًا، وسقفًا مكتوبًا بلغة لا يعرف مفاتيحها.
هناك، في العلوّ البعيد، وُلد المنجِّم: رجلٌ أوهم نفسه -وأوهم غيره- أن النجوم لا تلمع عبثًا، وأن الكواكب لا تمضي في أفلاكها إلا لتبوح بسرّ، أو تهمس بنذير.
المنجِّم ابنُ الفضول البشري القديم، ورفيقُ الخوف من الغد، وساكنُ المنطقة الرمادية بين العلم والخرافة، وبين التأمّل والادّعاء.
لكن الحقيقة جاءت قاطعة، جازمة، لا تقبل تأويلاً ولا زخرفة: "كذب المنجِّمون ولو صدقوا".
قولٌ مأثور لم يُغلق باب السماء، بل أغلق باب الوهم، وردّ الغيب إلى صاحبه الوحيد.

السماء.. دفتر القراءة الأزلي
المنجِّم لا ينظر إلى السماء كما ينظر إليها العاشق أو الشاعر، هو لا يرى الجمال، بل الإشارات، ولا يلمح الضوء، بل الرموز.
السماء عنده دفترٌ مفتوح، سطوره من نجوم، وفواصله من كواكب، ونقاطه المضيئة علامات ترقيم،  في نصّ كونيّ يتخيّل أنه قادر على قراءته.
يحسب الزوايا، يتتبع المسارات، ويربط بين حركة جرم بعيد، وارتعاشة قلب إنسان على الأرض، كأن الكون كلّه خُلِق ليجيب على سؤال فردٍ قَلِق.

أدوات المنجِّم.. بين العين والحساب
لا يحمل المنجِّم مختبرًا، ولا يسند ظهره إلى قانون صارم، أدواته بسيطة: عينٌ مدرّبة، خرائط قديمة، جداول مهترئة، وأهمّها: تأويل واسع يحتمل كل شيء.
هو لا يقدّم علمًا دقيقًا، بل حكايةً مقنعة، ولا يبني نتائج، بل ينسج احتمالات.
وكلّما اتّسعت مساحة التأويل، ضاق هامش الحقيقة.

التنبؤات.. بين الجاذبية والخرافة
للتنبؤ سحرٌ لا يُنكر، فهو يقدّم للناس ما يحبّون سماعه: مستقبلًا يمكن التفاوض معه.
أحيانًا تُصيب التوقّعات، لا لأن المنجِّم عرف، بل لأن المصادفة خانت صمتها.
وحين تُخطئ، يُلقى اللوم على "تغيّر الطالع"، أو "تشابك الكواكب"، أو "سوء الفهم".
وهكذا تبقى النبوءة دائمًا بريئة، والخطأ يتيمًا لا أب له.

الزبائن.. بين الفضول والبحث عن الأمل
لا يأتي الناس إلى المنجِّم طلبًا للحقيقة، بل طلبًا للطمأنينة.
بعضهم يجيء بدافع الفضول، وبعضهم يحمل قلبًا مثقلاً بالخوف، وآخرون يبحثون عن نافذة أمل ولو كانت من زجاج وهمي.
المنجِّم يعرف ذلك، ويجيد الإصغاء أكثر مما يجيد الحساب، ويزرع كلماته حيث يريد الزبون أن تنبت.
لكن الحقيقة تظلّ أعلى من الجميع: الغيب لا يُستجدى، ولا يُقرأ، ولا يُشترى.

الأسماء العصرية.. حين لبس المنجِّم
بدلة الإعلام
تبدّلت الأزياء، واختلفت الشاشات، لكن المنجِّم هو هو.
صار يظهر ببدلة أنيقة، وله حسابات موثّقة، وبرامج أسبوعية، وتوقعات "خاصة" بكل برج.
الإضاءة أقوى، واللغة ألين، لكن الجوهر لم يتغيّر: محاولة قديمة لقراءة ما لا يُقرأ.

النقد.. حدود المعرفة البشرية
جاء تحذير القول المأثور حاسمًا، لا ليُدين الفضول، بل ليضع له حدوده: "كذب المنجِّمون ولو صدقوا".
ليس حكمًا أخلاقيًا فحسب، بل درس معرفي عميق: ما يصيب بالمصادفة لا يتحوّل علمًا، وما يجهله الإنسان لا يملكه بالتخمين.
بين الإيمان بالقدر، والانجراف خلف الوهم، مسافة تحتاج وعيًا لا نبوءة.

منجِّم الأمس ومنجِّم اليوم
القديم كان يحدّق في السماء ليلًا، والحديث يحدّق في الكاميرا.
القديم اعتمد على النجوم، والحديث يعتمد على عدد المتابعين.
لكن كليهما يشتركان في أمر واحد: ادّعاء معرفة ما لا يُعرف.
والحكمة كلّها في أن يُعامَل هذا الادّعاء بحذر، لا بسذاجة، ولا بعداء، بل بعقلٍ يقظ.

خاتمة
المنجِّم مرآة قديمة لقلق الإنسان، وصورة صادقة لشغفه بالمجهول.
هو لا يخبرنا عن الغد، بل يكشف حاجتنا إلى الاطمئنان.
ومهما بدا صادقًا، ومهما صادفت نبوءته الواقع، يبقى القول الحقّ سيّد الموقف: "كذب المنجِّمون ولو صدقوا".
وقد قالها أبو تمام قديما: "أين الرواية، بل أين النجوم وما صاغوه من زخرف فيها ومن كذبِ تخرصًا وأحاديثًا ملفقةً ليست بنبعٍ إذا عُدّتْ ولا غربِ".
نعم.. فالقدر لا يُقرأ في السماء، بل يُسلَّم لله، والحياة تُعاش.. ولا يُتنبّأ بها.

أترك تعليقاً

التعليقات