مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
السمَّاك.. حين كان البحر يزور طفولتنا
في ستينيات المدينة، حين كانت الأسواق أبطأ، والوجوه أكثر حفظاً للأسماء، لم يكن البحر بعيداً كما نظن.
كان يأتي إلينا في الصباح على هيئة دكان واسع في سوق الخضار، وفي داخله رجل يشبه البحّارة، رغم أنه لم يركب زورقاً قط.
إنه السمّاك؛ أول من علّمنا أن الأماكن يمكن أن تُزار بالشمّ فقط.

 الطريق إلى الكائنات الأسطورية
كنا نرافق أمهاتنا إلى السوق، نجرّ أقدامنا بين البسطات، حتى نصل إلى دكانه.
هناك، يتغيّر الهواء فجأة؛ برد خفيف، رائحة غريبة، وثلج يلمع كأنه جاء من بلد لا نعرف اسمه.
نقف صامتين، نراقب الأسماك كما لو كانت مخلوقات أسطورية.

البحر في صناديق الفجر
كنا نرى الصناديق الخشبية مكدّسة خلف الدكان، مبتلّة، ثقيلة، كأنها خرجت تواً من سفر طويل.
حين تُفتح، كانت الرائحة تسبق النظر.
السمّاك يُخرج سمكة، يقلّبها بيده، ويقول لأمّنا: «هذه وصلت قبل قليل»، فنصدق أن البحر نفسه وصل إلينا.

أسماء لم نكن نفهمها
كان يذكر أسماء أماكن لم نزرها: خليج، شط، مرفأ... كلمات كنا نحفظ نغماتها أكثر من معانيها.
كل اسم كان يشبه وعداً مؤجلاً، نقطة على خريطة لم نرها، لكننا آمنا بوجودها.

أسماك النهر.. ماءٌ يشبهنا
وفي المدن التي يمرّ بها أنهار، كانت أسماك النهر أقرب إلينا.
طعمها أهدأ، عيونها أقل دهشة، كأنها اعتادت اليابسة كما اعتدناها نحن.
كان السمّاك يميّزها فوراً، ويقول: «هذه غير.. لكل ماء طبع».
فنصدّقه دون سؤال.

أيدٍ تعمل بصمت
في الداخل، كانت أيدي العمال تتحرك بثقة مطلقة.
سكاكين، قشور، ماء، ثلج... لا صراخ، لا استعجال.
كنا نراقب التنظيف كطقس، نحسب عدد الضربات، ونشعر أن هناك نظاماً خفياً لا يخطئ.

ثلج الصيف
في حرّ الظهيرة، كان الثلج مشهداً مدهشاً.
نمدّ أيدينا خلسة لنلمسه، فنسمع صوت أمّنا تحذّرنا.
السمّاك يبتسم، ويعيد ترتيب الثلج، كأن مهمته أن يبقي البحر بارداً حتى لا يتعب من الطريق.

زبائن يعرفون بعضهم
الوجوه نفسها كل أسبوع.
نساء يتبادلن الوصفات، رجال يسألون عن «الطزاجة»، وأطفال يملّون ثم يعودون للنظر.
كان الدكان نقطة لقاء، أكثر منه مكان بيع.
السمّاك يعرف الجميع، والجميع يثق به بلا فواتير ولا ضمان.

حين كبرنا
كبرنا، وتغيّرت السوق، وصارت الأسماك مغلّفة، والروائح أقل صدقاً. لكن صورة ذلك الدكان ما زالت عالقة، كنافذة مفتوحة في رأسنا.
هناك تعلّمنا أن البحر والنهر ليسا مكاناً فحسب، بل ذكرى تُحمل في الكيس إلى البيت.

خاتمة:
اليوم، كلما شممنا رائحة سمك طازج، نعود فجأة إلى تلك السوق، إلى الثلج، إلى الصناديق، إلى السمّاك، الذي لم يعرف أننا سنحمل صورته معنا طوال العمر.
كان البحر يزورنا حقاً. ونحن كنا صغاراً بما يكفي لنصدّق ذلك!

أترك تعليقاً

التعليقات