الرياض تلهث لشراء تحالف عسكري ولا تحصد غير التضامن السياسي
- أنس القاضي السبت , 19 سـبـتـمـبـر , 2026 الساعة 11:26:10 PM
- 0 تعليقات

أنس القاضي / لا ميديا -
دخل الصراع اليمني السعودي مرحلة مختلفة عقب تحرير القوات المسلحة اليمنية المخا وميون والمناطق المطلة على باب المندب، وفرض الحظر على الملاحة السعودية، بالتزامن مع استمرار العمليات داخل العمق السعودي واضطراب مضيق هرمز بسبب الحرب الأمريكية -الإيرانية، فقد أصبح الساحل الغربي مؤثراً في معادلة أمن السعودية وصادراتها النفطية، واكتسب باب المندب موقعاً متقدماً في حسابات الولايات المتحدة والقوى الأوروبية ومصر ودول الخليج، وتراجعت قدرة الرياض على إبقاء المواجهة محصورة في المجال اليمني كصراع يمني يمني كما أرادت دوماً، وبرز طابع الحرب الدولي، ويومي 18 و19 أيلول الجاري، تستمر عملية عسكرية يمنية في العمق السعودي وخصوصاً الرياض التي ليست «مكة» ولا «باب المندب»، وليس بوسع السعودية حماية الرياض إلا بوقف العدوان والحصار وإعادة الإعمار والتعويض ورفع يدها عــــن الملف اليمني وترك اليمنيين يحلون قضاياهم الداخلية بما يخدم المصلحة الوطنية اليمنية لا بما يدول القضية اليمنية ويحلها بناءً على مصالح العالم ودول الإقليم!
تعمل السعودية على إعادة تعريف الصراع أمام الخارج، وتقديمه بوصفه قضية تتصل بحرية الملاحة وأمن الطاقة وحماية المقدسات، وهي دعايات زائفة في طبيعة الحال، ويكمن الصراع السياسي والدبلوماسي الحالي حول تحديد طبيعة المواجهة، لأن نجاح الرواية السعودية قد يمنح الرياض غطاءً أوسع للعقوبات والعمليات العسكرية، بينما يضع استمرار الملاحة الدولية بصورة طبيعية حدوداً أمام مساعي التدويل، وحتى الآن هناك مجاملات للسعودية من دول العالم، ولا يوجد مؤشر حاسم على أن هناك دولة مستعدة لتخوض حرب السعودية، فكل دولة طرقت السعودية أبوابها تتضامن معها سياسيا وتتحدث عن حق الرياض في حماية أمنها، ثم تؤكد على أن الحل مع اليمن سياسي، أي أن التضامن ليس شيكاً مفتوحاً ولا استعدادا لخوض حرب ضد اليمن.
السعودية ومحاولة بناء بيئة خارجية مساندة
تتحرك السعودية عبر مسارات متزامنة، يشمل الأول تكثيف الغارات العدوانية وإعادة تنظيم قوات المرتزقة بعد انهيار مواقعها في الساحل الغربي، ويعتمد الثاني على حشد المواقف العربية والإسلامية، ويركز الثالث على مجلس الأمن والولايات المتحدة والدول الأوروبية، بينما يتصل الرابع ببناء ترتيبات بحرية واستخباراتية تسمح بمواصلة الحرب من دون الظهور طرفاً منفرداً فيها.
وقد وفرت جلسة مجلس الأمن في 15 سبتمبر 2026م مساحة دولية واسعة لعرض الرواية السعودية، إذ ربطت الرياض وحكومة المرتزقة سيطرة صنعاء على الساحل والجزر بتهديد التجارة والطاقة، وطالبتا بتشديد تطبيق القرارات (2140) و(2216) و(2722)، وتوسيع العقوبات وحظر السلاح، ودعم القوات البحرية وخفر سواحل المرتزقة. كما أعلنت السعودية بدء مأسسة ما سمته «التحالف البحري متعدد الجنسيات للدفاع»، في محاولة لوضع نشاطها العسكري والبحري داخل إطار جماعي.
وجاء الادعاء السعودي باعتراض طائرة مسيّرة جنوب مكة المكرمة ليضيف مساراً دينياً إلى الحملة، فقد جمعت الرياض في خطابها بين أمن الحرمين وحماية المدنيين وتأمين باب المندب، وحصلت على إدانات عربية وإسلامية واسعة. وتستطيع السعودية استخدام هذه الإدانات لتبرير غارات عدوانية جديدة، والضغط على مصر وتركيا وباكستان لرفع مستوى مشاركتها السياسية والأمنية والاستخباراتية، لكن البيانات الصادرة لا تتضمن التزاماً من هذه الدول بخوض الحرب.
نجحت الرياض في توسيع دائرة التضامن السياسي، وما تزال تواجه صعوبة في تحويله إلى تحالف عسكري قادر على تغيير الوضع في الساحل الغربي واليمن عموماً، وتتحفظ القوى الإقليمية على تحمل كلفة حرب قد تمتد إلى منشآتها وممراتها البحرية وعلاقاتها بإيران، كما تدرك أن السيطرة على المخا وميون وباب المندب خلقت واقعاً عسكرياً يحتاج تغييره إلى عملية برية وبحرية كبيرة، وليس إلى الإدانات أو الغارات وحدها.
الولايات المتحدة وإدارة الصراع
تحتل الولايات المتحدة الموقع الأكثر تأثيراً في البيئة الدولية المحيطة بالمواجهة، فهي تدعم السعودية سياسياً داخل مجلس الأمن، وتساند تشديد العقوبات وحظر السلاح، وتقدم المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف، وتعمل على تعزيز الدفاعات السعودية والمراقبة البحرية. وفي الوقت نفسه تحافظ واشنطن على مسافة من الحرب الهجومية المباشرة، وتتفادى الالتزام بعملية تستهدف استعادة المخا والجزر أو تغيير خطوط السيطرة برياً، فهي واقعياً جزء من العدوان ولكن بصورة غير مباشرة.
يتفق هذا السلوك مع رغبة الإدارة الأمريكية في حماية المصالح الأمريكية والقواعد والسفن وخطوط الطاقة، واحتواء آثار الحرب مع إيران، وتجنب فتح جبهة عسكرية واسعة في اليمن، وإذا صح خبر لقاء موظفين أمريكيين بممثلين عن صنعاء في مسقط، فإنه يندرج ضمن هذه السياسة، فواشنطن تستخدم الضغط والعقوبات والدعم الاستخباراتي في جانب، وتحتفظ بقناة اتصال مع السلطة الفعلية المسيطرة على باب المندب في الجانب الآخر، بهدف حماية تفاهم 6 مايو 2025م ومنع امتداد العمليات إلى القوات والسفن الأمريكية.
وتكشف هذه المقاربة حدود الاعتماد الأمريكي على حكومة المرتزقة، إذ تدعمها واشنطن داخل المؤسسات الدولية، وتسعى إلى تطوير قدراتها البحرية والأمنية، لكنها تتعامل مع صنعاء عند بحث القضايا المرتبطة بالمضيق والمصالح الأمريكية المباشرة. وبذلك تؤدي حكومة المرتزقة وظيفة سياسية ومحلية في الاستراتيجية الأمريكية، بينما تخضع القضايا الكبرى لاتصالات تجريها واشنطن بنفسها أو عبر سلطنة عُمان.
ويرجح استمرار الدعم الأمريكي للسعودية في مجالات المعلومات والاستطلاع والدفاع الجوي والمراقبة البحرية، مع بقاء التدخل الهجومي مرتبطاً بحـــادث واســـــع يصيـب سفينـــــة غير سعودية، أو يستهدف قــــوات أمريكية، أو يعطل حركة التجارة الدولية، ولهذا تمثل سلامة السفن غير السعودية واستمرار العبور الطبيعي عاملاً مركزياً في منع واشنطن والرياض من بناء ذريعة لعملية عسكرية أوسع.
أوروبا وحدود الموقف الغربي
اصطفت بريطانيا وفرنسا وعدد من الدول الأوروبية خلف السعودية في مجلس الأمن، وحملت أنصار الله مسؤولية التصعيد، وطالبت بوقف العمليات والانسحاب من «المناطق المحررة»، وربطت القدرات العسكريـــة اليمنيــــة بالدعم الإيـــراني. ويتجه الدور الأوروبي نحو العقوبات وتطبيق حظر السلاح والدعم البحري الدفاعي، مع استمرار عملية «أسبيدس» الأوروبية في البحر الأحمر، بوصفها مهمة دفاعية.
وتخدم المواقف الأوروبية الحملة السعودية سياسياً، لكنها لم تتحول إلى إعلان عن حملة هجومية جديدة، وتدرك الحكومات الأوروبية أن توسيع الحرب قد يرفع كلفة التأمين والشحن، ويعرقل عودة السفن إلى قناة السويس، ويعرض قواتها البحرية لهجمات يمنية، ولذلك تفضل حماية السفن وجمع المعلومات والضغط الدبلوماسي على الدخول في معركة استعادة الساحل.
ويستطيع هذا الموقف أن يتغير إذا تعرضت الملاحة العامة لحادث كبير، أو نجحت السعودية في تثبيت رواية الإغلاق الشامل للمضيق. وتكتسب بيانات حركة السفن هنا وزناً سياسياً وقانونياً، فقد أفادت الإحاطة الأممية أمام مجلس الأمن باستمرار الشحن التجاري دون تأثر ظاهر، كما أعلنت شركات شحن إعادة خدمات عبر البحر الأحمر وقناة السويس، وهو ما يناقض تقديم باب المندب بوصفه ممراً مغلقاً أمام العالم.
روسيا والصين وحدود التدويل
يواجه المسعى السعودي داخل مجلس الأمن عائقاً روسياً وتحفظاً صينياً، فقد حذرت روسيا من الردود المتسرعة وتكرار استخدام القرار (2722) خارج الغرض الذي صدر من أجله، ودعت إلى معالجة سياسية تشمل أنصار الله، بينما ربطت الصين أمن الملاحة بوقف القتال والتفاوض واحترام سيادة اليمن، كما اقتربت الدول الأفريقية الثلاث في المجلس من معالجة جذور الصراع، وطرحت وقف إطلاق النار وصرف الرواتب وفتح الطرق واستئناف العملية السياسية.
لا يتبنى الموقفان الروسي والصيني رواية صنعاء كاملة، فكلاهما يعطي أولوية لحرية الملاحة وتجنب استهداف السفن، لكنهما يعرقلان إنتاج غطاء دولي واسع لعملية عسكرية جديدة، ويرفضان حصر معالجة الأزمة في العقوبات والردع، وتمنح هذه التباينات صنعاء هامشاً سياسياً داخل النظام الدولي، شريطة بقاء الملاحة العامة آمنة، وتقديم بيانات دقيقة حول السفن العابرة، والفصل الواضح بين الحظر الموجه إلى السعودية وحركة التجارة الدولية.
ويرجح أن تستمر الدول الغربية والخليجية في التحرك خارج مجلس الأمن عبر العقوبات المنفردة، والتحالفات البحرية، وتبادل المعلومات، ودعم قوات المرتزقة، ولذلك لا يعني غياب التوافق داخل المجلس تراجع الضغط، وإنما انتقال الجزء العملي منه إلى ترتيبات تقودها الولايات المتحدة والسعودية وشركاؤهما.
البيئة الإقليمية ومصالح القوى المحيطة
تدعم دول الخليج أمن السعودية سياسياً، لكن مشاركتها العسكرية ستخضع لحسابات منشآتها النفطية وموانئها وعلاقاتها الإقليمية، فقد أصبحت المواجهة مرتبطة بمضيق هرمز وباب المندب وخط أنابيب الشرق والغرب وميناء ينبع، وأي توسع قد يهدد منظومة الطاقة الخليجية كاملة، ولذلك تميل دول الخليج إلى التضامن مع الرياض، وتعزيز الدفاعات والمراقبة، مع الحذر من حرب مفتوحة.
وتحتل مصر موقعاً خاصاً بسبب قناة السويس والبحر الأحمر، فقد أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي أن أمن السعودية والخليج جزء من الأمن القومي المصري، ودعم الإجراءات السعودية لحماية أمنها، وحافظ على الدعوة إلى حل سياسي شامل في اليمن، وتحتاج القاهرة إلى استقرار باب المندب واستمرار حركة السفن، بينما تحتاج السعودية إلى تغيير التوازن العسكري في الساحل، وهذا الاختلاف يضع حدوداً للتطابق بينهما.
تستطيع مصر المشاركة في تبادل المعلومات والمراقبة والتدريبات والترتيبات البحرية، كما تستطيع توفير إسناد سياسي عربي للسعودية، وتبقى مشاركتها في هجوم على اليمن احتمالاً ضعيفاً، بسبب كلفة الحرب، وحساسيتها تجاه عسكرة البحر الأحمر، وحرصها على علاقاتها مع إيران، وحاجتها إلى حماية تعافي إيرادات قناة السويس.
أما تركيا وباكستان، فتدعمان أمن السعودية وترتبطان معها باتفاق مكة للدفاع المشترك، لكن الاتفاق لم ينتج حتى الآن إجراءات عملياتية معلنة تخص اليمن، وتملك الدولتان مصالح عسكرية واقتصادية مع الرياض، وتحتفظان في الوقت نفسه بعلاقات وحسابات مع إيران ودول المنطقة، ولذلك يُرجح أن تتركز مساهمتهما في الدعم السياسي والتدريب والمعلومات والدفاعات، مع تجنب المشاركة المباشرة في العمليات العدوانية.
وتبقى سلطنة عُمان القناة الأكثر قدرة على إدارة الاتصال بين صنعاء وواشنطن والرياض، وقد ترتفع وظيفتها خلال المرحلة المقبلة إذا أخفقت الغارات والحشد الخارجي في تغيير الواقع العسكري، كما تستطيع إيران التأثير في البيئة الإقليمية عبر صراعها مع الولايات المتحدة وعلاقاتها مع صنعاء، لكن اختزال القرار اليمني في الدور الإيراني يخدم الرواية السعودية والغربية، ويمنح خصوم اليمن أساساً لربط باب المندب بمضيق هرمز والحرب الإقليمية.
تعمل البيئة الدولية والإقليمية الحالية لمصلحة السعودية في المجال السياسي والاستخباراتي، بينما تفرض عليها قيوداً في المجال العسكري، فقد حصلت الرياض على إدانات واسعة، ودعم غربي داخل مجلس الأمن، ومساندة عربية وإسلامية، واستعداد أمريكي لتقديم المعلومات والدفاعات، لكنها لم تحصل على التزام دولي أو إقليمي بالحرب نيابة عنها.










المصدر أنس القاضي
زيارة جميع مقالات: أنس القاضي