أنس القاضي

أنس القاضي / لا ميديا -
ترتبط اليمن بالسوق العالمية ضمن علاقات اقتصادية غير متكافئة، حدت من إمكانيات التطور الذاتي، وأعادت هيكلة مؤسسات الدولة والعلاقات الاجتماعية لتستمر اليمن دولةً وشعباً بإعادة إنتاج الوضع القائم والمحدد لها على الصعيد العالمي، وهوما انعكس في أزمة يمنية مستمرة، حلقة مفرغة يكررها كل جيل ويجني على الجيل القادم، حلقة مفرغة من الجوع والتخلف والحروب والاستبداد والاحتكار، لا يمكن تجاوزها إلا بتغيير هذا الموقع الاقتصادي لليمن في التقسيم العالمي للعمل.
من اقتصاد محلي إلى اقتصاد طرفي
شهد الاقتصاد اليمني خلال العقود السابقة للحرب تحولاً عميقاً في موقعه داخل الاقتصاد العالمي؛ فحتى سبعينيات القرن العشرين ظل اليمن اقتصاداً يغلب عليه الطابع الزراعي، يعتمد معظم سكانه على الزراعة والرعي والحرف التقليدية والتجارة المحلية، فيما كانت علاقته بالاقتصاد العالمي محدودة نسبياً وتتمثل أساساً في تصدير بعض المنتجات الزراعية واستقبال تحويلات المهاجرين، لكن الطفرة النفطية الخليجية منذ السبعينيات، ثم اكتشاف النفط اليمني بكميات تجارية في الثمانينيات، أدخلا الاقتصاد اليمني في مرحلة جديدة اتسمت بتزايد الارتباط بالسوق الإقليمية والعالمية.
وأصبح هذا الارتباط أكثر وضوحاً بعد الوحدة اليمنية عام 1990م، حيث اندمج الاقتصاد الوطني بصورة متزايدة في حركة التجارة الدولية والأسواق النفطية الإقليمية، وخلال أقل من عقدين تحول النفط إلى المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية والإيرادات العامة. وبحلول عام 2013م بلغت قيمة الصادرات النفطية أكثر من 90% من إجمالي الصادرات السلعية اليمنية، فيما لم تتجاوز مساهمة الصادرات غير النفطية نسبة محدودة من إجمالي التجارة الخارجية، وفي المقابل استوردت البلاد معظم احتياجاتها من الغذاء والسلع المصنعة والآلات والمعدات والمواد الخام، الأمر الذي جعل استمرار النشاط الاقتصادي مرتبطاً بصورة مباشرة بتدفق النقد الأجنبي الناتج عن صادرات النفط وتحويلات المغتربين.
وتكشف بنية التجارة الخارجية عن طبيعة هذا التحول بصورة أكثر وضوحاً؛ فقبل الحرب كانت اليمن تستورد ما يقارب 90٪ من احتياجاتها من القمح، إضافة إلى معظم احتياجاتها من السكر والزيوت النباتية وكميات كبيرة من الأرز والأدوية والمعدات الصناعية، وبذلك بات الأمن الغذائي رهناً بقدرة الدولة  على الحصول على العملات الأجنبية اللازمة للاستيراد، وقد ظهر هذا الاعتماد بوضوح خلال أزمات الغذاء العالمية في 2008م و2011م عندما انعكست تقلبات الأسعار العالمية مباشرة على الأسواق المحلية وعلى مستويات المعيشة داخل البلاد.
وفي الوقت نفسه لم يقتصر اندماج اليمن في الاقتصاد العالمي على تصدير النفط، بل شمل تصدير قوة العمل أيضاً؛ فمنذ سبعينيات القرن الماضي اتجهت موجات واسعة من العمالة اليمنية إلى السعودية ودول الخليج، وبحلول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أصبحت تحويلات المغتربين أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في البلاد، ولم تكن هذه التحويلات مجرد مورد مالي للأسر، بل أصبحت جزءاً أساسياً من عملية إعادة إنتاج المجتمع نفسه، حيث اعتمدت عليها ملايين الأسر في تمويل الغذاء والتعليم والعلاج والإسكان والزواج والاستهلاك اليومي.
ومن هنا تشكل نمط خاص من الاندماج في الاقتصاد العالمي؛ فلم تدخل اليمن السوق الدولية بوصفها دولة مصدرة للسلع الصناعية أو التكنولوجيا أو الخدمات المتقدمة، بل بوصفها مصدراً للنفط والعمالة وسوقاً واسعة للسلع المستوردة، ووفقاً لبيانات مسح القوى العاملة لعام 2013/2014 ظل أكثر من ثلث العاملين اليمنيين يعملون في الزراعة، بينما استوعبت الصناعة التحويلية نسبة محدودة من القوة العاملة مقارنة بالاقتصادات الصناعية أو حتى بعض الاقتصادات الصاعدة، ويكشف هذا الواقع عن مفارقة مهمة: فبينما كانت البلاد مندمجة بعمق في السوق العالمية من خلال التجارة والنفط والهجرة، بقيت قاعدتها الإنتاجية المحلية محدودة التنوع وضعيفة القدرة على المنافسة الدولية.
لا يمكن تفسير هذا الوضع بوصفه مجرد نتيجة لضعف التنمية أو محدودية الموارد؛ فاليمن لم يكن يفتقر إلى الموارد المالية بصورة مطلقة، إذ تدفقت عليه خلال العقود السابقة مليارات الدولارات من صادرات النفط وتحويلات المغتربين والمساعدات الخارجية، لكن طبيعة اندماجه في الاقتصاد العالمي جعلت الجزء الأكبر من هذه الموارد يتجه نحو تمويل الاستيراد والاستهلاك والإنفاق الجاري، أكثر من اتجاهه نحو بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تغيير موقع البلاد داخل الاقتصاد الدولي.
ولهذا لم يتشكل الاقتصاد اليمني كاقتصاد مستقل نسبياً يعتمد على إنتاج حاجاته الأساسية وتطوير قدراته الصناعية والتكنولوجية، بل كاقتصاد طرفي ارتبط استقراره واستمرار نموه بعوامل خارجية رئيسية، أهمها أسعار النفط العالمية، وسياسات الهجرة والعمل في الخليج، وحركة التجارة الدولية وأسعار الغذاء، وأصبحت هذه العوامل تؤثر بصورة مباشرة في المالية العامة، وسعر الصرف، ومستويات المعيشة، وفرص العمل، والأمن الغذائي، الأمر الذي جعل الاقتصاد اليمني أكثر حساسية للصدمات الخارجية من الاقتصادات التي تمتلك قاعدة إنتاجية أكثر تنوعاً.
ومن هذا الموقع تحديداً تبدأ عملية فهم بقية خصائص الاقتصاد اليمني قبل الحرب؛ فالتبعية للنفط، واتساع الهجرة، وتراجع الوزن النسبي للزراعة والصناعة، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وهيمنة التجارة والاستيراد نتائج مترابطة لموقع اقتصادي تشكل تاريخياً داخل التقسيم الدولي للعمل، وجعل اليمن يؤدي وظائف محددة في الاقتصاد العالمي أكثر مما سمح له بتطوير وظائف جديدة قائمة على الإنتاج والتكنولوجيا والتراكم الوطني.

النفط والتحويلات والواردات
إذا كان موقع اليمن داخل التقسيم الدولي للعمل قد تحدد من خلال تصدير المواد الخام والعمالة واستيراد السلع، فإن هذا الموقع تجسد عملياً في ثلاثة أعمدة رئيسية شكلت الأساس الذي قامت عليه الدورة الاقتصادية خلال العقود السابقة للحرب: النفط، وتحويلات المغتربين، والواردات، ولــم تكن هذه العناصر مجرد مصادر دخــــــل متجاورة، بل كانت أجزاء مترابطة من بنية اقتصادية واحدة، يعتمد كل منها على الآخر ويعيد إنتاجه في الوقت نفسه.
فقد وفر النفط المصدر الرئيسي للنقد الأجنبي وإيرادات الدولة، وتشير البيانات الرسمية إلى أن النفط وفر خلال السنوات السابقة للحرب ما بين 65٪ و75٪ من الإيرادات العامة للدولة، كما شكل أكثر من 90٪ من الصادرات السلعية اليمنية، وفي عام 2013 بلغ متوسط إنتاج النفط نحو 133 ألف برميل يومياً بعد سنوات من التراجع مقارنة بذروة الإنتاج التي تجاوزت 430 ألف برميل يومياً مطلع الألفية الجديدة. وعلى الرغم من هذا التراجع بقي النفط يمثل العمود المالي الرئيسي للدولة والاقتصاد حتى عشية الحرب.
غير أن النفط لم يكن وحده المسؤول عن تدفق العملات الأجنبية إلى البلاد؛ فقد لعبت تحويلات المغتربين دوراً لا يقل أهمية في الحفاظ على التوازن الاقتصادي والاجتماعي، ووفق تقديرات البنك الدولي تراوحت التحويلات السنوية خلال السنوات السابقة للحرب بين 3 و4 مليارات دولار، وهو ما جعلها من أكبر مصادر النقد الأجنبي في البلاد بعد النفط، وكانت هــــــذه التحويلات تتجه بــصورة مباشرة إلــى الأسر، وليس إلى الخزانة العامة، الأمر الذي منحها دوراً مختلفاً عن الدور الذي لعبه النفط؛ فبينما موّل النفط الدولة، موّلت التحويلات جانباً مهماً من الحياة اليومية للمجتمع.
وتظهر نتائج مسح القوى العاملة مدى أهمية هذه الظاهرة؛ فملايين اليمنيين كانوا يعتمدون بصورة مباشرة أو غير مباشرة على دخل قادم من الخارج، سواء عبر أفراد الأسرة العاملين في السعودية ودول الخليج أو عبر شبكات الهجرة الممتدة إلى مناطق أخرى، ولهذا لم تكن الهجرة مجرد وسيلة لتحسين الدخل، بل أصبحت جزءاً من البنية الاقتصادية ذاتها؛ فالأسر الريفية والحضرية على السواء اعتمدت على التحويلات في تمويل التعليم والرعاية الصحية وبناء المساكن وشراء الأراضي وتمويل الأنشطة التجارية الصغيرة.
أما العمود الثالث فتمثل في الواردات، وهي الوجه الآخر للنفط والتحويلات؛ فالقسم الأكبر من العملات الأجنبية التي دخلت البلاد عاد للخروج مرة أخرى في صورة واردات غذائية وصناعية واستهلاكية، وتشير بيانات التجارة الخارجية إلى أن قيمة الواردات اليمنية قبل الحرب كانت تتراوح بين 10 و12 مليار دولار سنوياً، وهو رقم يفوق بكثير قيمة الصادرات غير النفطية، وكانت المواد الغذائية وحدها تستحوذ على نسبة مرتفعة من إجمالي الواردات، إلى جانب المشتقات النفطية والآلات والمعدات ومواد البناء والأدوية والمنتجات الصناعية المختلفة.
وتكشف هذه البنية عن آلية عمل الاقتصاد اليمني بصورة دقيقة؛ فالنفط والتحويلات يوفران العملات الأجنبية، والواردات تستهلك هذه العملات، وبذلك أصبحت قدرة الاقتصاد على الاستمرار مرتبطة باستمرار تدفق الموردين الأولين؛ فكل تراجع في أسعار النفط أو إنتاجه، وكل اضطراب في أوضاع العمالة اليمنية في الخارج، كان ينعكس بصورة مباشرة على قدرة البلاد على الاستيراد وعلى استقرار العملة المحلية وعلى أوضاع المالية العامة.
وقد ظهر هذا الترابط بوضوح خلال أزمة الخليج عام 1990، حين أدى ترحيل مئات الآلاف من العمال اليمنيين من السعودية إلى فقدان الاقتصاد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي خلال فترة قصيرة، كما ظهر لاحقاً مع تراجع إنتاج النفط بعد عام 2001م، حيث بدأت الاختلالات المالية والتجارية تتفاقم تدريجياً مع انحسار المورد الذي كان يمول الجزء الأكبر من الواردات والإنفاق العام، وتكشف هذه الأحداث أن الاقتصاد لم يكن يعتمد على قطاعات إنتاجية داخلية متنوعة، بل على تدفقات مالية خارجية ظلت تمثل شرطاً ضرورياً لاستمرار دورة النشاط الاقتصادي.
ومن منظور الاقتصاد السياسي، لا تكمن تأثيرات هذه الأعمدة الثلاثة في حجمها فقط، بل في الوظائف التي أدتها داخل المجتمع؛ فالنفط وفر الموارد للدولة دون أن يشغل إلا عدداً محدوداً من العاملين، والتحويلات وفرت الدخل للأسر دون أن تنشئ قاعدة إنتاجية داخلية واسعة، والواردات لبّت احتياجات الاستهلاك دون أن تتطلب توسعاً موازياً في الإنتاج المحلي، وهكذا نشأت دائرة اقتصادية تقوم على تدفق الموارد من الخارج ثم إعادة توزيعها واستهلاكها داخل الاقتصاد المحلي.
وتوضح هذه الظاهرة أحد الفروق الجوهرية بين اقتصادات بلدان الأطراف واقتصادات بلدان المراكز الصناعية؛ ففي الاقتصادات الصناعية يأتي الجزء الأكبر من الدخل القومي من نشاط إنتاجي يجري داخل الاقتصاد نفسه، بينما اعتمدت اليمن بدرجة متزايدة على موارد تأتي من بيع النفط أو من عمل مواطنيها خارج البلاد، ولذلك لم يكن نمو الاقتصاد اليمني مرتبطاً فقط بما يحدث داخل حدوده، بل بما يحدث في أسواق النفط العالمية، وسياسات الهجرة الخليجية، والتقلبات الاقتصادية الدولية.
تعبر هذه البنية عن شكل من أشكال الاندماج التابع في الاقتصاد العالمي؛ فالموارد التي تدخل البلاد لا تتحول إلى قاعدة صناعية أو تكنولوجية قادرة على تغيير موقع الاقتصاد داخل النظام العالمي، بل يعاد تدويرها عبر الاستيراد والاستهلاك والتجارة والخدمات، ونتيجة لذلك يستمر الاقتصاد في النمو والحركة، لكنه يبقى مرتبطاً بالوظائف نفسها التي يؤديها داخل التقسيم الدولي للعمل.
ولهذا فإن النفط والتحويلات والواردات لم تكن مجرد مكونات اقتصادية مهمة، بل كانت الأعمدة التي قام عليها النموذج الاقتصادي اليمني بأكمله، هذا النموذج الاقتصادي هو السبب الواقعي في الأزمات الاقتصادية والمعيشية القائمة اليوم، فقد وجدت اليمن نفسها في ظل الحرب والحصار غير قادرة على بالإمكانيات الإنتاجية الذاتية قادرة على القيام بوظيفتها المؤسسية ومسؤولياتها تجاه المجتمع.

أترك تعليقاً

التعليقات