أنس القاضي

أنس القاضي / لا ميديا -
وقّع وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت ووزير الطاقة السعودي عبدالعزيز بن سلمان الاتفاق في 22 يوليو 2026م، وأعلنت وزارة الطاقة الأمريكية أنه يوفر الإطار القانوني لشراكة تمتد عقوداً وتبلغ قيمتها عشرات المليارات من الدولارات، ويمنح الشركات الأمريكية فرصة المشاركة في بناء البرنامج النووي السعودي، ثم تبدأ مراجعته داخل الكونغرس وفق الإجراءات المنصوص عليها في قانون الطاقة الذرية.
يتيح اتفاق المادة 123 التعاون النووي التجاري وتصدير المفاعلات والمواد والخدمات، لكنه لا يمثل عقداً نهائياً لبناء محطات محددة، ولا يمنح السعودية تلقائياً حق الحصول على تقنيات أمريكية للتخصيب، إذ تحتاج المشاريع اللاحقة إلى عقود وتمويل وتراخيص تصدير وموافقات رقابية، كما ستستغرق عملية بناء المفاعلات وتشغيلها عدة سنوات بعد استكمال هذه الإجراءات.

ترافق الاتفاق مع رسالتين جانبيتين واتفاق منفصل بشأن تطبيق ضمانات وتدابير تحقق إضافية، بحسب القرار الرئاسي المنشور في السجل الفيدرالي، ولم تُنشر هذه الوثائق، ولذلك لا يمكن الجزم بحجم القيود المفروضة على السعودية، أو طبيعة الرقابة الأمريكية، أو حدود الموافقة المسبقة على التخصيب وإعادة المعالجة.
تتركز المشكلة في عدم تبني السعودية «المعيار الذهبي» الوارد في الاتفاق الأمريكي -الإماراتي لعام 2009م، والذي يتضمن تخلي الإمارات عن التخصيب وإعادة المعالجة داخل أراضيها، كما أن السعودية تطبق اتفاق الضمانات الشاملة مع الوكالة الدولية، لكنها لم تقبل البروتوكول الإضافي الذي يمنح الوكالة صلاحيات أوسع للوصول إلى المواقع والمعلومات والتحقق من عدم وجود أنشطة غير معلنة.
وتفيد تقارير صحفية وتحليلات لمختصين أمريكيين بأن الاتفاق ينص على دراسة جدوى لمدة عامين بشأن التخصيب المحلي، فإذا أثبتت الدراسة جدواه قد تُبحث إقامة منشأة داخل السعودية تديرها شركة أمريكية، مع تقييد وصول السعوديين إلى التقنية الحساسة، وإذا انتهت الدراسة إلى عدم جدواه فقد تلتزم الرياض لمدة عشر سنوات بعدم طلب تقنية التخصيب من دولة أخرى، غير أن بقاء التفاصيل ضمن وثائق غير منشورة يجعل هذه المعلومات غير كافية للحكم على درجة الحماية الفعلية.
يضع ذلك الاتفاق بين مستويين، برنامج مدني يعتمد على المفاعلات والوقود المستورد، وقدرة كامنة على دورة الوقود يمكن أن تمنح السعودية موقع دولة على العتبة النووية، أما إنتاج سلاح نووي فيبقى خارج الاتفاق ومخالفاً لمعاهدة عدم الانتشار، ويحتاج إلى قرار سياسي وبرنامج مستقل وخروج من نظام الضمانات أو انتهاكه، ومن ثم فإن وصف الاتفاق بأنه يمنح السعودية قنبلة نووية يخلط بين امتلاك القدرة التقنية واتخاذ قرار التسلح.

الحسابات السعودية
تحتاج السعودية إلى مصادر جديدة للكهرباء لتغطية نمو الاستهلاك وتحلية المياه والمشروعات الصناعية، كما تريد تقليل حرق النفط والغاز في محطات الكهرباء وزيادة الكميات المتاحة للتصدير والصناعات البتروكيميائية والهيدروجين، ويتوافق البرنامج النووي مع سياسة توطين الصناعات المتقدمة وإدخال قطاعات جديدة ضمن رؤية 2030.
لكن الحاجة إلى الكهرباء لا تفسر الإصرار السعودي على الاحتفاظ بخيار التخصيب، إذ تستطيع المملكة تشغيل مفاعلاتها بوقود مستورد من السوق الدولية بكلفة أقل من إنشاء دورة وقود وطنية، كما تفعل غالبية الدول التي تمتلك برامج نووية مدنية، ولهذا يرتبط الموقف السعودي باعتبارات السيادة التقنية والمكانة الإقليمية والتحوط في مواجهة إيران أكثر من ارتباطه بالجدوى الاقتصادية.
سبق لوزير الطاقة السعودي أن أعلن في يناير 2025م أن المملكة تخطط لتخصيب اليورانيوم وبيعه، كما تربط القيادة السعودية منذ سنوات سياستها النووية بمستقبل البرنامج الإيراني، وبذلك تستخدم الرياض حاجتها إلى الطاقة ومخزونها من اليورانيوم للحصول على أوسع مساحة ممكنة داخل الاتفاق، وتستفيد من المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا لتحسين شروط التعاون.
يسمح الخيار النووي للمملكة بتنويع أدوات قوتها وتقليل الفجوة التقنية مع إيران و»إسرائيل» وتركيا، كما يمنحها ورقة تفاوض مع الولايات المتحدة، فقد أصبح قبول التعاون الأمريكي مرتبطاً بمنع الرياض من اختيار موردين منافسين، في حين تستخدم واشنطن التكنولوجيا والضمانات الأمنية لدفعها نحو التطبيع مع «إسرائيل».

الحسابات الأمريكية
تريد الولايات المتحدة استعادة موقعها في سوق المفاعلات الدولية، وتأمل شركة «وستنغهاوس» الفوز بعقود لبناء مفاعلات «AP1000» داخل السعودية، بما يوفر استثمارات وعقوداً وفرص عمل ويعزز سلسلة التوريد النووية الأمريكية، ويكتسب هذا الهدف أهمية مع توسع الشركات الروسية والصينية في الأسواق الناشئة وقدرتها على تقديم التمويل والبناء والوقود ضمن حزمة واحدة.
ترى الإدارة أن وجود الشركات والخبراء الأمريكيين داخل البرنامج يوفر قدرة أكبر على الرقابة والتأثير مقارنة ببرنامج تقوده روسيا أو الصين، كما يرسخ ارتباط البنية التحتية السعودية بالتكنولوجيا والوقود والخدمات الأمريكية لعدة عقود، ويجعل البرنامج جزءاً من الشراكة السياسية والأمنية بين البلدين.
تجاوزت الإدارة في المقابل بعض الضوابط التي دافعت عنها واشنطن خلال العقود الماضية، وخصوصاً حظر التخصيب وإعادة المعالجة واشتراط البروتوكول الإضافي، وقـــــد بررت هذا التراجع بالحاجة إلى إبقاء السعودية داخل المنظومة الأمريكية، بينما يرى المعارضون أن المنافسة مع الصين تحولت إلى ذريعة لتخفيف قواعد منع الانتشار، وأن الدول الأخرى ستستخدم السابقة السعودية للمطالبة بالمعاملة نفسها.

أعلن ترامب بعد التوقيع أن التخصيب لن يتم داخل السعودية، وربط تنفيذ الاتفاق بانضمام المملكة إلى اتفاقات أبراهام، وقد يوفر هذا الشرط مخرجاً للإدارة أمام الكونغرس و»إسرائيل»، لكنه أدخل غموضاً جديداً، لأن الإعلان الأمريكي جاء بعد توقيع الاتفاق، ولم يصدر موقف سعودي يقر بأن التطبيع شرط قانوني أو أن الرياض تخلت عن التخصيب المحلي.
ينقسم الكونغرس بين مؤيدين يعتبرون الاتفاق وسيلة لتعزيز التحالف مع السعودية وإبعادها عن الصين وروسيا، ومعارضين يرون فيه تراجعاً عن سياسة منع الانتشار، وقد أعلن السيناتور الديمقراطي «إد ماركي» وعدد من أعضاء مجلس النواب رفضهم تمريره من دون حظر التخصيب والبروتوكول الإضافي، وقد تتركز المعركة داخل الكونغرس على الوثائق الملحقة أكثر من التعاون المدني ذاته.

الموقف «الإسرائيلي»
تقبل «إسرائيل» بناء برنامج مدني سعودي تحت الإدارة الأمريكية، لكنها تعارض امتلاك المملكة قدرة مستقلة على التخصيب، لأن البنية التقنية التي تنتج وقوداً منخفض التخصيب يمكن تطويرها لاحقاً إذا توافرت الإرادة السياسية والموارد، كما تخشى أن تصبح السابقة السعودية أساساً لمطالب مماثلة من تركيا ومصر والإمارات.
التزمت حكومة بنيامين نتنياهو الصمت عند الإعلان، ثم رحبت باشتراط ترامب انضمام السعودية إلى اتفاقات «أبراهام»، في حين وصف نفتالي بينيت الاتفاق بأنه فشل استراتيجي، وحذر أفيغدور ليبرمان وبيني غانتس من سباق إقليمي، ودعوا إلى استخدام الكونغرس لمنع أي تخصيب داخل المملكة.
يرتبط موقف حكومة نتنياهو بالمقابل السياسي والأمني، فإذا أدى الاتفاق إلى التطبيع وإدماج السعودية في منظومة دفاع جوي وبحري واستخباري مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل، فقد تقبل الحكومة برنامجاً سعودياً أوسع تحت السيطرة الأمريكية، أما حصول الرياض على خيار التخصيب من دون التطبيع فسيواجه معارضة «إسرائيلية» أقوى.
تستفيد «إسرائيل» من توجيه القدرات السعودية نحو موازنة إيران، لكنها تخشى استقلال القرار السعودي في المستقبل، لأن التحالفات قابلة للتغير بينما تبقى المعرفة والبنية النووية، ولهذا يتركز المطلب «الإسرائيلي» على السيطرة الدائمة في التوريد والتشغيل والوقود، وليس على منع المملكة من إنتاج الكهرباء النووية.

تقدير الموقف
تمثل الصفقة تنازلاً أمريكياً في قواعد التعاون النووي أكثر مما تمثل تحولاً فورياً في القدرة السعودية، فقد حصلت الرياض على اتفاق مدني من دون التخلي المعلن والدائم عن التخصيب، فيما حصلت واشنطن على فرصة لإبعاد الصين وروسيا وربط البرنامج السعودي بشركاتها ونفوذها، وبقيت المسائل الأشد حساسية داخل وثائق غير منشورة أو مؤجلة إلى دراسة لاحقة.
ستعمل الإدارة الأمريكية على تمرير الاتفاق باعتباره برنامجاً سلمياً خاضعاً للسيطرة الأمريكية، وستستخدم شرط التطبيع لاحتواء الاعتراض «الإسرائيلي» والضغط داخل الكونغرس، بينما ستسعى السعودية إلى الاحتفاظ بالغموض حول دورة الوقود، لأنه يمنحها قيمة تفاوضية في مواجهة الولايات المتحدة وإيران معاً.
ستدور المنافسة الإقليمية خلال السنوات المقبلة حول امتلاك الخيار والمعرفة والشروط التفضيلية، وليس حول إنتاج السلاح مباشرة، وستكون الإمارات أول المتأثرين من الناحية القانونية، وإيران أول المستفيدين في الجدل السياسي حول بنود الاتفاق، وتركيا الأكثر قدرة على بناء برنامج تقني منافس، بينما تتحرك مصر ضمن قيودها المالية ومشروع الضبعة، وتتعاون فعلياً مع روسيا على برنامج نووي سلمي مماثل لما مع المملكة.
بالنسبة إلى اليمن، يبقى الأثر القريب سياسياً واستراتيجياً، ويتصل بتوثيق الارتباط السعودي بالولايات المتحدة واحتمال توسيع التعاون السعودي «الإسرائيلي»، أما الأثر الاقتصادي والتقني فيحتاج إلى سنوات، كما أن حساسية المنشآت النووية وحاجتها إلى الاستقرار قد تدفع الرياض نحو احتواء الصراعات المحيطة بدلاً من توسيعها وقد لا تفعل!

أترك تعليقاً

التعليقات