مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الدّاية.. قابلةُ القلوب قبل الأجساد
في الأزمنة التي لم يكن فيها الطبّ قريباً من البيوت، كانت هناك امرأة تحمل عِلْماً بالفطرة، وخبرة بالوجدان، وصبراً أعمق من الألم...
تلك هي الداية، التي كانت تدخل البيت في ساعة حاسمة، فتصير أمّاً ثانية للمولود، وأختاً لأمه، وطمأنينة للعائلة.
مع الزمن، تغيّر الاسم إلى "القابلة" القانونية؛ لكن الجوهر بقي واحداً: امرأة تقف على حدود الحياة، 
وتُمسك بأول صرخة في الدنيا.

دكانها.. بيتها نفسه
لم يكن للداية دكان في السوق، بل كان بيتها هو عيادتها الشعبية؛ باب نصف مفتوح، ورائحة أعشاب، وبعض القماش الأبيض المعلّق على الحبال.
كانت البيوت تعرفها، والنساء يهمسن باسمها بثقة الأم لابنتها: "نُنادي الداية.. فهي تعرف كل شيء عن الولادة".

صندوق الأسرار
تحمل الداية حقيبة صغيرة من الجلد، داخلها مناشف بيضاء، وأدوية شعبية، وإبر، وصفائح معدنية صغيرة، وأحياناً حفنة من الحَبّة السوداء.
كانت الحقيبة بالنسبة لها حديقة إسعاف متنقّلة. يعرف كل بيت صوتها حين تفتح وتغلق.
ومع القابلات القانونيات، صارت الحقيبة تحتوي أجهزة قياس، ومستلزمات طبية؛ لكن جوهرها ظل هو ذاته: أدوات لاقتناص الحياة وهي تبدأ.

يدُها تعرف أين يولد الألم
للداية يدٌ ليست كأيّ يد: تمسح جبهة المرأة فتهدأ، تضغط على ظهرها فتخفّ وطأة المخاض، تمسك بيدها فيشتدّ العزم...
تعرف مواضع الألم كما تعرف الأم صوت وليدها.
خبرة طويلة، وسنوات من مساعدة النساء، جعلت يدها مرجعاً قبل ظهور الطب الحديث.

حضور يبدّد الخوف
حين تدخل الداية البيت، تتبدّد رهبة الولادة، وتعمّ سكينة غريبة.
تسأل المرأة بحنان: "كيف هو وجعك الآن؟ لا تخافي.. نحن معك".
كلماتها دواءً، وصوتها مثل نور صغير يشتعل في الممر.
ومع القابلة القانونية، صار العِلم يشترك مع الحنان؛ لكن بقي ذلك الأثر القديم: قوة امرأة تساند امرأة.

حين يبطئ الزمن
في ذروة الألم، يتغيّر كل شيء: الليل يصبح أطول، 
والصمت يصبح أثقل، والساعة تتحول إلى نبضات قلب.
تجلس الداية  قرب المرأة، تعدّ معها الأنفاس، وتنصحها كيف تدفع، متى تتوقف، ومتى تصرخ...
تعرف من انقباض البطن أن الولادة اقتربت، وكأنها تسمع إشارة من عالم لا نراه.

اللحظة التي لا تُنسى
حين يخرج الطفل، تأخذه الداية بين يديها، كأنها تمسك كوكباً صغيراً خرج للتو من رحم السماء.
تنظّفه، تلفّه بقطعة قماش دافئة، وتقدّمه للأم يضيء. "مبروك.. بوجه جاءكم بالخير".
تسجّل القابلات القانونيات اليوم وزن الطفل، وضغط الأم، ويوثّقن بيانات الولادة؛ 
لكن تلك اللحظة تبقى واحدة: لحظة معجزة تتكرّر ولا تشيخ.

تغادر وتترك للبيت عيداً
بعد أن تهدأ المرأة، وتعمّ الدار زغاريد وتهويدات، 
تجمع الداية حقيبتها، تبتسم، وتقول عبارتها الشهيرة: "الله يتمّم عليكم بالخير".
وحين تمشي في الطريق، يعرف أهل الحارة أنها خرجت من ولادة، ففي وجهها نور وتعب، وفي مشيتها كرامة مهنة صنعت البدايات.

خاتمة:
الداية اليوم اسم من التراث، والقابلة القانونية هي الوريثة العلمية لتلك المهمة العظيمة.
لكن خلف الألقاب يبقى الجوهر واحداً: امرأة تقف على باب الحياة، وتمدّ يداً لتُخرج طفلاً إلى الدنيا، وترمّم قلب أم، وتكتب سطراً جديداً في سجلّ بشر لا ينقطع.
إنها القابلة؛ حارسة البدايات، ومباركة اللحظة التي يولد فيها الضوء.

أترك تعليقاً

التعليقات