مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
نقف اليوم مع المنفى القديم الجديد؛ مع «الربذة»، وكل «ربذة»، مع «أبي ذر»، وكل «أبي ذر»، عبر العصور؛ كمعنى للحق حينما يتمثل في رجل.
هنا، بدأت الحكاية:
في السنة الثلاثين للهجرة، لم يكن ما جرى مجرد نفي فردٍ إلى قفر، بل كان اغتيالاً رمزياً لمنظومة قيمية بأكملها؛ كان إسقاطاً لـ«أبي ذر الغفاري» لا كشخص، بل كرمز حي للرسالة المحمدية في أبهى تجلياتها الأخلاقية.
إنه جندب بن جنادة، البدري، رابع أربعة أسلموا، ولسان القرآن الصادع، وضمير الأمة الذي لا يقبل المساومة... وكانت تهمته أنه قرأ النص قراءة رسالية؛ قراءة للأحياء؛ قراءة تنطلق من الواقع إلى النص، وتعود من النص إلى الواقع: @831;وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ@830;. تلاها في حضرة الملك العضوض، تلاها في مقام العمل على استعادة الروح المحمدية، ومنع الاحتكار حتى لله؛ لا في المحراب الذي لطالما كان شريكاً في جريمة سلب الناس وظلمهم واستعبادهم. تلاها في وجه السلطة وهي تؤسس لاقتصاد القصر، وتحوّل بيت مال المسلمين إلى ديوان عشيرة.
فكان الجزاء مضاعفاً: تهجير من الشام على «قتب خشن» بلا وطاء، إذلالاً مقصوداً لرمزية المعارض... ثم نفي إلى «الربذة»، ذلك الهامش الجغرافي الذي اختارته السلطة ليكون قبراً للضمير قبل أن يكون قبراً للرجل.
وهناك، في العراء، أسلم الروح. لم يكن موته موت فرد، بل كان موت «الأمر بالمعروف» كوظيفة سياسية، ودفن «كلمة الحق عند سلطان جائر» تحت رمال الصحراء. حتى جاء ابن مسعود فوقف على قبره وقال ما يشبه الرثاء والنبوءة معاً: «رحمك الله يا أبا ذر، تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك».

وثيقة الخيانة.. تفريغ الطبري للنص
هاهُنا تتجلى الجناية في أوضح تجلياتها، في صنيع شيخ المؤرخين محمد بن جرير الطبري.
هذا هو كل ما دونه في «تاريخ الرسل والملوك» تحت حوادث سنة ثلاثين:
«وفي هذه السنة كان ما ذُكر من أمر أبي ذر، وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة. وقد ذُكر في سبب إشخاصه إياه من الشام إلى المدينة أمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها. فأما العاذرون معاوية في ذلك فإنهم ذكروا في ذلك قصة كتب بها إلى السري، يذكر أن شعيباً حدثه عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي، قال: لما ورد ابن السوداء الشام لقي أبا ذر، فجعل يحدثه عن فضل الجهاد والإنفاق في سبيل الله، حتى أغراه ذلك. فكان أبو ذر إذا لقي الناس حدثهم بذلك، وأمرهم بالصدقة، ونهاهم عن كنز المال.
فشكا أهل الشام ذلك إلى معاوية، وكتبوا إليه: إن أبا ذر قد أفسد الناس. فكتب معاوية إلى عثمان: إن أبا ذر قد أفسد الشام. فكتب إليه عثمان: ابعث به إليّ. فبعث به على شرف، ولم يجعل له وطاء. فلما قدم المدينة قال له عثمان: يا أبا ذر، ما حملك على ما صنعت؟ قال: كتاب الله. قال: وما في كتاب الله؟ قال: قول الله: @831;وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ@830; فقال عثمان: ليس علينا ذلك، إنما ذلك لأهل الكتاب. فقال أبو ذر: لا، بل لنا ولهم. فأمر به عثمان فأنزل بالربذة».
إنها ليست رواية، إنها اعتراف. «قد ذكر...» اعتراف بالعلم، و«كرهت ذكر...» اعتراف بالقصد، و«أكثرها» اعتراف بالحذف.

هندسة الأسطورة.. وظائف «ابن السوداء» الأيديولوجية
إن ما أورده الطبري ليس تاريخاً؛ إنه «ميثولوجيا سياسية» صنعها سيف بن عمر وتبناها الطبري عن وعي. ووظيفتها ثلاث:
1. وظيفة التفريغ الدلالي:
نزع عن الحادثة جوهرها السياسي، المتمثل في صراع بين سلطة تستأثر وضمير يأمر، وحوّلها إلى ثنائية عقدية قوامها «إسلام» في مواجهة «مؤامرة يهودية». فصار أبو ذر في النص «مُغرىً» لا «مُبادِراً»، و«مُفسِداً» لا «مُصلِحاً».
2. وظيفة التطهير البنيوي:
إذا كان الفاعل «ابن السوداء» فالفاعلون الأصليون أبرياء. فكانت الرواية تبرئة للخليفة من تهمة الاستئثار والقمع، وتبرئة للوالي من تهمة الاستبداد والظلم، وتبرئة للدولة من جريمة وأد النقد. فصار عثمان «سائلاً» لا «حاكماً»، ومعاوية «ناقل شكوى» لا «صاحب قرار».
3. وظيفة التسكين الجمعي:
الأسطورة تمنح الأمة عدواً خارجياً موحداً فتُنسى الانقسامات الداخلية، وتُشرعن السلطة باعتبارها «الحصن» في وجه المؤامرة. وهذا بالضبط ما احتاجته الإمبراطوريات «المابعد نبوية» وكل أنظمة الحكم لدينا عبر الزمن: ماضياً بلا شروخ، وتاريخاً بلا معارضة ولا ظلم ولا بغي ولا أثرة.

أترك تعليقاً

التعليقات