شاهد على قبرٍ لم يُحفر بعد
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لقد كدتُ أنسى تلك الملحمة: ملحمةٌ كنتُ أهتف بها عادةً ونحن لا نزال هناك: في العراء:
أنا ابن مدرسةٍ روحها القرآن، وعمودها الفقري الوحدانية، وميزانها الوحيد هو الحق.
مدرسةٌ رسالية المدى، علوية الهوى، حسينية الدم.
وكانت الكلمة تليق بنا... يوم كنا بلا سلطة، بلا كرسي، بلا توقيعٍ يحيي ويميت.
ثم مشينا على الجمر.
عبرنا المفاوز، وكسرنا الحصار بالصدور، وانتصرنا في معارك كنا فيها أقل عدة وأكثر يقيناً.
كبرنا مع الناس، وكبر الناس فينا، تحت رايةٍ واحدةٍ كتبت بدمائنا: القيام لله.
فظننتُ أن الحساب تأجل.
كذبتُ.
جاءني في ليلةٍ باردة من كان يقاسمني الرصاصة والرغيف.
وجهه محفور بالتعب، وصوته لا يرتجف:
«كفى شعارات. أرني القرآن في قرارك. في حبرك. في عينك وأنت تنظر إلى بيتٍ بلا سقف».
«أرني وحدانيتك حين تذبح أناك على مذبح الله. حين لا تخاف فتجبن، ولا تطمع فتخون. حين تكون يدك ميزاناً لا سوطاً، وقلبك بيتاً لا مقبرة».
ثم رمى في وجهي الثانية كحجر:
«قضية الرسول والعترة لم تعد نشيداً. صارت رغيفاً، ودواءً، ومدرسة، فمَن ذا الذي أحالها يداً باطشةً وسجناً مفتوحاً؟
أين هي في الزقاق؟ في طابور الغاز؟ في ملف المعتقل الذي ضاع؟».
ليس من محمد وآله من سكت عن ظالمٍ يتكئ على اسمه.
وليس منهم من ضيّع مظلوماً ثم سمى الخذلان حكمة.
وليس منهم من حارب الفقر بتجويع، والجهل بتجهيل، والاستبداد بعمامة.
قلتُ ما ينفع الثورة.
نطقتُ بما يحمي المشروع.
فكانت المكافأة: قيد.
سحبوني إلى غرفةٍ بلا نافذة، ورموا المفتاح في قاع الصمت.
صمّ القصر.
وعميت السلطة.
وغاب العدل في إجازةٍ مفتوحة.
منذ ذلك اليوم وأنا أخاطب الحديد فيجيبني بصداه.
وأكتب على جدار الزنزانة بأظافري وبما تبقى من دمي وصايا.. لا لنا، لمن سيأتي بعدنا:
1. لا تنخدع بجيوشٍ تحرس القصور وتترك الشعب عارياً للريح. الصواريخ لا تردع الجوع، ولا الدبابات تمنع انهيار الثقة.
2. احذر دولة الجباية. حين يصبح دخلها الوحيد هو جيوبنا، فاعلم أنها تحفر قبرها بأسنانها.
3. احذر الهوة بين المنبر والرغيف. حين يكذب الخطاب الواقع كل صباح، يموت الناس موتتين.
4. احذر صدام الدولة مع الناس في كل معاملة. حين يصبح المواطن عبئاً على دولته، فقد انتهى العقد.
5. احذر الانغلاق. من يصنف النقد ردة، والمراجعة خيانة، والمعارض نفاقاً.. فهو يبني قبره بيده.
6. احذر «العدو الخفي». كلما زاد العجز صنعوا مؤامرة. وكلما ضاقت الخزينة فتحوا ملف جاسوس.
ليس علوياً من يسجن على كلمة.
ليس علوياً من يعتقل بالظن، فيغيب الرجل شهرين وسنة، وأمه تسأل الجدران عنه.
علي لم يكن يضيق بكلمة، ولا يسجن على مقالة، ولا يعامل الناس معاملة الوحوش للفرائس.
علي كان سماحة حين ملك، وعدلاً حين حكم، ورحمة حين قدر.
علي كان يمشي بلا حراسة لأن الناس كانوا حراسه.
أكتب هذا شاهداً على قبري كجنديٍ للثورة لم تُدفن جُثتهُ بعد، لكنهم يتجهون نحوها ببطئ؛ بعد اتخاذ القرار في أن يُهيلوا عليها التراب.
وأصرخها صيحة مظلومٍ طال به الانتظار، بسلطةٍ وعدت فماطلت، وأنصفت الشعار وخذلت الإنسان.
وأطلقها استغاثة محرومٍ طرق باب القصر حتى تورمت كفاه، فقالوا له: ليس الآن.
إن نسيتم.. سينسيكم الله أنفسكم.
وإن تذكرتم.. فعودوا قبل فوات الأوان.
عودوا قبل أن يصبح القيد ميراثاً،
وقبل أن يصبح السجن جامعة،
وقبل أن نكتب على واجهة الوطن:
«هنا كان مشروع تحرير.. فقتله أبناؤه خنقاً».
وتذكروا جيداً:
العدو لا يقتل الثورة.
يقتلها من صدّق أنه صار الدولة.. ونسي أنه كان الناس والمجتمع والشعب.

أترك تعليقاً

التعليقات