مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
يرى البردوني أن الشعب اليمني عصيٌ على الفهم؛ لضربه في القدم وباطنيته التاريخية، ولأن العيون التي حاولت إدراكه نظرت إليه من أفق الذات لا من أفق الموضوع. فبعد أن نضبت موارد حضارته وعجز عن تجديدها أو الاحتفاظ بها، تشرد فيافي الداخل ثم ارتهن لعواصم الخارج التي سبقته في التحضر. فاجتمع في صدره داءان لا يجتمعان: طموحٌ عنان السماء، وعجزٌ يرسف في الأغلال. أراد ما لا تبلغه وسائله، وواجه من يملك ما لا يملك. فلم يذعن لسلطان الوافد الذي حكمه، ولم يؤسس سلطان ذاته الذي يحميه. فبقي عملاقاً في التوق، قزماً في الوسيلة.
لذلك كان كابوس الخلفاء وفزاعتهم. فمن معاوية إلى محمد رشاد انتدبوا له صناديد الرجال وأكفأ القادة لإخضاعه، فكان الفشل حليفهم، وكان الموت على يد يمني مصير كثير منهم. فوشمه الديوان بوصمة «الشعب الذي لا يلين ولا يهدأ». قال المنصور لمعن بن زائدة وهو يعرض عليه ولاية اليمن: «أتطيقهم؟ إنهم إن قُهروا غدروا وإن أُرضوا استزادوا». فكان الجواب قدراً مكتوباً: «فاذهب فالتحق بمن سبقك». وحين استبدل العباسيون في عهدهم الثاني السيف بالدينار ظناً أن الخزائن أبلغ من المهند، قال قائلهم: «زدنا في العطاء لنطفئ نارهم، فإذا العطاء لها حطبٌ يضرمها». لأن المعركة لم تكن على المال ولا على الطاعة، وإنما كانت معركة وجود. معركة شعب يتمزق بين سندان العجز ومطرقة الطموح، يبحث عن طريق لإثبات ذاته فلا يجده.
ثم جاء العثماني فكرر تجربة العباسي بحذافيرها، فجرّب السيف وجرّب الخزائن، فكان الخواء واحداً والفشل واحداً، وخلاصة كل برقياته إلى الباب العالي كلمة واحدة: «يمني.. لا يقومه إلا السوط».
ثم بزغ فجر الاستقلال فبايع الشعب الإمام يحيى طوعاً ورضا وأملاً، لأنه وجد فيه معنى «الذات» و«المناوئ لكل دخيل» و»الرافض للتفاوض مع الغريب». فاستقر الأمر زمناً لتوفر الإحساس بقيادة وطنية وإن شابها الجمود. فلما تزايد التطلع وبدأت عوامل التغيير تدب، بدأ السؤال المحرج: أتكفي وطنية الحكم النسبية دون وطنية عملية تحقق الرخاء وتفتح أبواب التقدم؟ فتجاوز التذمر الهمس، فقيل للإمام: «لو على الواجبات والبواقي والتنفيذات». فأجاب بحكمة من خبر القوم وعرف طبائعهم: «غُبر الشَميل إن لم يُظلموا ظَلَموا». وكان ملكه قائماً على استنفار لا ينقطع واتصال لا يفتر: مخمن عند بزوغ الثمرة، وقباض عند الحصاد، وكاشف على القباض، وعسكري للبواقي، وعداد للمواشي، ومثمن للخضر. شبكة تمسح البلاد طولاً وعرضاً لتمتص نبض القرى وتستبق الانفجار. وحين اضطر في حروب الثلاثينات إلى تسليح بعض أهل تهامة شم رائحة التمرد قبل وقوعه، فقيل له: «السلاح لا يكفي» فقال: «الرمح الذي أدفعه بيدي اليوم سيرتد إلى ظهري غداً»، فعمل على إطفاء الحرب وانتزاع السلاح.
ووصمه الدستوريون بعد ذلك بالبلادة وعبادة المألوف ورفض الجديد. ولكن هل عُرض عليه البديل فاختار؟ لقد اقتحمت جماهير القبائل صنعاء فوجدت سياط الأمس هي عصي اليوم، ووجدت مخالب الإمامة التي كانت تمتص دمها قد صارت هي نفسها في موضع الإمامة. نفس الدواوين، نفس المخمنين، نفس القباض. أفذلك جهل؟ كلا. تلك براعة يمنية متوارثة: أن تركب ظهر المستغل قبل أن يركبك، وأن تثبت وجودك وتفرضه قبل أن يُحسم الصراع لغيرك.
فلما انفجرت الثورة انشطر الناس ثلاثة: ثوري يريد تجذير الجديد والتضحية دونه، وملكي يحن إلى الأمس ويسعى لاستعادته، وانتهازي ثالث يرقص على الحبلين ليستغل المستغلين. وتوقع الجميع أن رجال العهد البائد سينهضون بالجديد لما لهم من «خبرة». ولكن أي خبرة؟ ثلاثة أجيال لم تعرف غير «أمر الإمام». لا مؤسسة ولا قانون ولا نظرية ولا ممارسة. كان الوزير وزيراً لأنه من بطانة الإمام لا لأنه أهل، وكان المدير مديراً لهيبة مستعارة من «دار السعادة» بصنعاء أو «صالة» بتعز. فإذا أفل نجم الإمام أفل نجمهم، وإذا خبا بريقه خبا بريقهم. فأنّى لمن لم يمارس إلا الطاعة أن يؤسس دولة؟ وأنّى لمن تربى على «الانتفاع به» أن يبني «الانتفاع له»؟ ومن هنا كان الفساد، ومن هنا كان الحنين إلى الماضي لا لأنه أفضل، بل لأنه مضى.
فالشعب لم يكن ملعوناً ولا فوضوياً ولا جاهلاً. كان شعباً يبحث عن ذاته بين فكي كماشة: حرمان من الحق المشروع، وظمأ إلى المجد المفقود. فمن رآه بعين القهر رآه تمرداً، ومن رآه بعين الإنصاف رآه أصلاً. ولا يستقيم الحكم ولا يصح الميزان إلا إذا نطق الواقع عن نفسه، لا إذا نطقت الأهواء عنه.

أترك تعليقاً

التعليقات