مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
حين يشتد القحط في أوصال الجماعة تتحول ذاكرتها إلى جلد متصدع من الوجع. لا دفء فيه إلا بقايا أنفاس تتلألأ بين ظلال الخوف، ويلتف هذا الوجع حولها كأفعى متعبة تخنق ما تبقى من كيان شكلته قرون من ركام الصبر. فتصبح فارغة إلا من أصوات مكسورة تتعثر على شفا فم الحياة، وتتدلى من حبال زمن غادر ترتجف بين همس الرحيل وصدى البقاء. قلب هذه الهوية لم يعد قلباً، صار حفرة لا تهدأ تتردد فيها أصداء نبض تائه، وفي كل نبضة ينهض سؤال واحد: هل ما زلنا أحياء أم نتنفس من فراغ خانق لا يخصنا؟ وعندما تُسدل السماء ستارة الرماد وتُفرغ الأحلام من سكانها وتغدو الأرواح ظلالاً زاحفة على جدران الصمت القاتم، حينها فقط تُدرك هذه الهوية سر دموعها التي لا تُرى، وسر ضحكة الموت حين تسقط واقفة. هذه ليست مأساة فرد، هذه هي البنية الداخلية لكل هوية منغلقة على ذاتها، رافضة للآخر، تعيش في منفاها الاختياري.
ومن طبيعة السلطة المطلقة أنها لا تحتمل الاعتراف، لأن أي إقرار بالآخر هو إقرار ضمني بنسبيتها وبأنها ليست مركز الوجود كله، وهذا ما تأباه لنفسها. فهي تطمح إلى أن تكون وجوداً مطلقاً بلا حدود ولا شريك. وحين يصير الفعل انعكاساً مباشراً لماهية الفاعل تتحول هذه الهوية إلى إرادة قوة صرفة، ولا ميزان هنا إلا للأقوى. من طبائع القوة المتشيئة إذن الغلبة والاستحواذ والسيطرة والتملك والقهر والتمركز حول الذات. إنها قوة لا تعترف إلا بنفسها ولا تقبل أحداً إلا إذا كان من جنسها. قد تتسامح مؤقتاً مع تعدد مراكز القوة، لكن نزوعها الدائم هو نحو الواحد، نحو حضور أحادي لا منازع له. وهي تنظر إلى نفسها في مرآة الألوهية فتستحوذ الصورة عليها، فيصبح البشري إلهاً والمتناهي يدعي اللامتناهي. وهنا يكمن التناقض المهول، استحالة الجمع بين المتناهي واللامتناهي، فيتحول الوجود إلى وجود زائف والوعي إلى وعي موهوم.
ومن رحم هذا الزيف يولد الشر المطلق الذي لا يكتفي بالهيمنة بل يسعى إلى إعدام الوجود الآخر من حيث هو موجود. لذلك كانت سمة هذه الثقافات عولمة الشر عبر تفكيك الثقافات الأخرى، فالهدف ليس إدارة الاختلاف بل محوه، وتحويل الآخر من موجود له هوية وتاريخ وذاكرة إلى كائن فارغ قابل للتشكيل والاستنساخ. ولهذا تدعي هذه الهوية أنها نهاية التاريخ بمعنى الكمال وتوقف الصراع، ومن هنا لفظها لكل مفاهيم الصراع وعلى رأسها مفهوم المقاومة. فشطب المقاومة من قاموس الشعوب نتيجة منطقية لمقولة نهاية التاريخ التي تقسم العالم إلى عالمين: عالم الذروة والكمال، وعالم الدونيات الذي عليه الخضوع وإعادة الصياغة. ومفهوم الكمال يفرض مهمة رسولية هي إعادة إنتاج الآخر على صورة الأصل، وهذا لا يتم إلا بتفكيك مزدوج: تفكيك جسدي وتفكيك رمزي، أي العبث بالهوية الجسدية وبالهوية النفسية المتمثلة في الوعي واللغة والرموز. إنها عملية استنساخ ثقافي، قد يخرج الآخر شبيهاً في الشكل لكنه غريب في المضمون، لأن بين صورة الشخص وصورة الشخصية هوة لا تُجسر.
وأخطر تجليات هذا الخطاب هو احتكار الكلام، فالهوية المطلقة تريد أن تكون سيدة الخطاب وأن يكون للآخرين فقط صمت العبيد. والصمت موت للهوية، لأن الهوية لا تظهر إلا بالكلام، بالـ»أنا» التي تخاطب «أنت». والكلام لا معنى له إذا انحبس في الخاص، فحين تتحدث الذات مع نفسها يكون المتكلم والمخاطب واحداً ويتحول الكلام إلى صمت مقنع. وهنا يتضح البعد السياسي للكلام، فالسياسي هو تدبير الشأن العام والعام لا يسكن إلا في اللغة، والبحث عن «الأنت» متلازم أنطولوجياً مع البحث عن «الأنا» ولا يلتقيان إلا في أفق الهوي العام الذي يجمع الجماعة اللغوية كلها. من هنا كان السياسي مقوماً من مقومات الهوية، به تتخطى الذات خاصها الضيق نحو المجموع، وبين أن تكون شيئاً وبين أن توجد مسافة هي المغامرة في فضاء الإمكانات وممارسة الحرية والمسؤولية.
وإذا كان موت السياسي هو موتا للهوية، فإن تحويلها إلى ترس في آلة تتحكم بها الهويات النزاعة نحو الإطلاق هو النتيجة الحتمية لانغلاقها. بل إن موت السياسي هو موت الأخلاقي أيضاً، فجوهرهما واحد هو التدبير. السياسي يدبر بالأنظمة والقوانين وموازين المصالح، والأخلاقي يدبر بالقيم. وإذا استغنى السياسي عن الأخلاقي فقد فاعليته النقدية التجاوزية، وتحولت السياسة من ممارسة للقيم إلى لعبة مصالح، ومن حوار إلى صراع، ومن إطلاق نحو العام إلى انغلاق في الخاص، ومن خطاب هووي إلى رطانة مسرحية بليدة. وبهذا لا تسقط الهوية المنغلقة بفعل الآخر، وإنما تسقط حين تستنفد ذاتها في محاولة مستحيلة لابتلاع العالم، فتجد نفسها في النهاية وحيدة في ساحة خالية، بلا لغة تخاطب بها أحداً، وبلا آخر يشهد على وجودها.

أترك تعليقاً

التعليقات