سيدُ الحضور: تجلي كمال مدرستين
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
نحن اليوم في رحاب السيد الأسمى، والشهيد الأقدس. نحن في حضرة «نصر الله» الذي كان أمةً في رجل، وسيبقى نهضةً في أمة.
وأول ما يستوقف الناظر في تكوينه، أنه ربيب مدرستين تلتقيان عند المنبع الواحد: نهج عليّ عليه السلام، وكربلاء.
فأما الأولى: فمدرسة العدل العلوي.
حينما كان (ر) يستشهد بكلام عليٍ (ع) لم يكن يوماً استشهاده بنهج الأمير محض استشهادٍ وعظي، بل كان استنطاقاً لنموذج الحكم. فقد أورد ذات يوم خبر والي البصرة حين أجاب وليمةً قُصِرَت على الأغنياء دون الفقراء، فغضب له الإمام: «ما ظننت أنك تجيب إلى طعام قومٍ عائلهم مجفوّ وغنيهم مدعوّ».
ثم أردفه بقوله عليه السلام: «هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له بالقرص ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى... أقنع من نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في خشونة العيش».
وما تلا هذا النص المديد إلا ليخلص إلى غاية: «بحاكم كهذا وعلى طريقته يمكن أن نقيم عدالة».
إن تقديمه لرهافة عليّ المتناهية في صلته بالرعية مثالاً للحاكم، ليس رسماً لما يجب على جمهور المقاومة أن يتطلع إليه من عدالة، ولا لمن يجب أن يُختار للقيادة فحسب، بل هو قبل ذلك تحديدٌ لنفسه لمسلك القائد.
أن يضع أمام جمهوره المقياس الأرقى والأكثر نموذجية لتقويم القيادة، معناه أنه ألزم نفسه بالأشق، وأطّر ذاته داخل المدرسة العلوية. ولهذا اطمأن إليها واثقاً ببعدها الإنساني.
ومما يلفت، أن الذي جذبه إلى هذا النهج لم يكن الهم الإيماني خالصاً، بل كان مضافاً إلى الهم الألزم للإنسان منذ كان الإنسان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: هم تأمين لقمة العيش. وحضوره متحملاً لهذا الهم حضور ثقافي بامتياز.
ويتصل بهذا تقديمه لصلة عليّ بأطفال الشهداء: «كان عليّ يخدم أطفال الشهداء بيده، وكان إذا دخل بيوتهم لاعبهم وبكى لهم... من هنا ندخل إلى المسؤول الذي يتحسس ويتألم ويحب الناس».
فالانتقال بين خدمة عليّ بيده لأطفال الشهداء، وبين رقة وجدان المسؤول، إنما يقع في قلب الثقافة الإنسانية التي يستضيء بها ويبثها.
وتركيزه على البعد الإنساني من شخصية عليّ دليل على أنه جاوز مرحلة امتلاك تلك الثقافة إلى مرحلة إشاعتها بين الناس.
وأما الثانية: فمدرسة كربلاء.
وإن كانت كربلاء امتداداً للمدرسة الأولى، إلا أنها تجربة أخرى من تجارب آل البيت. وحين يقول: «إنه يمكن للمرء أن يدخل إلى أي جانب من جوانب هذه الحادثة الإلهية الاستثنائية المسماة كربلاء»، فإنما يلوح لنا أنه فرغ من التلمذة ليتخرج مالكاً لثقافتها، قادراً على نثرها عبر تحليل أي وجه من وجوهها.
والدخول إلى أي جانب من تلك الجوانب ليس دخولاً حيادياً مجانياً، بل هو قصد تمليك الثقافة لمن يستمع.
وقوله: «كل التفاصيل في ذلك الحدث ليست عبثية. هناك تخطيط إلهي دقيق ومحكم لهذه الحركة التاريخية الاستثنائية المصيرية في تاريخ النبوات والرسالات»، لا يقدمه مهتماً بالتفاصيل نافياً عنها العبث فحسب، بل مؤمناً واثقاً باندراجها في تدبير إلهي غائي، غايته حفظ الرسالات.
وهذا الربط بين الحدث وغايته يوجب أن تتقدم الغاية على الحدث لتحدد وظيفته وحجمه. وغاية كحفظ الرسالات السماوية التي تجعل الإنسان رأس أولوياتها، يجب أن ترسم أبعاد الحدث. ولذلك يجب ألا نقوم بفعل لا نعرف غايته ومدى أثره في تحقيقها. وهذا هو الاستيعاب النموذجي للحدث الكربلائي، وهو استيعاب قائم لديه قبل الخطاب، ولكنه في خطابه حريص على إشاعته.
ويضرب مثلاً على وظيفية التفاصيل: «لو أن الحسين لم يأخذ عياله معه لقُتل في الصحراء وما عرفنا بما جرى... وجود العيال مكّن من نقل الصورة، ثانياً أعطى بعداً عاطفياً وإنسانياً وأخلاقياً كبيراً لحركة الحسين».
وقوله «مكّن من نقل الصورة» ليس غاية حيادية، بل هو تقديم حدث ذي أبعاد ثقافية يحتاجها خط الرسالات لحفظ حق الإنسان على الأرض، ويحتاجها تاريخ البشرية لتقويم المسار.
هكذا اجتمع فيه النهجان: عدل عليّ في الحكم، ورسالة كربلاء في النهوض.

أترك تعليقاً

التعليقات