متى يبدأ النضج الفكري؟
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لدى البشر خوف فطري من الوحدة يدفعهم إلى التضحية بذكائهم على مذبح قبول الجماعة. لقد تربينا على أن القوة في الوحدة، لكن على مستوى الوعي، غالبًا ما تُولّد الوحدة كتلةً مبهمةً من الأفكار المخففة. في كل مرة تندمج فيها تمامًا في جماعة، سواء كانت سياسية أو روحية أو اجتماعية، تبدأ بدفع «رسوم عضوية» خفية: قدرتك على رؤية ما اختارت الجماعة تجاهله. لا تسعى الجماعة إلى الحقيقة، بل إلى التماسك. وللحفاظ على هذا التماسك، فهي مستعدة لسحق أي فكرة تُهدد راحة الإجماع.
نعيش في عصرٍ تتخفى فيه الأصداء في ثوب الحوار. نسعى جاهدين للانتماء إلى جانبٍ ما، لأنّ عدم اليقين الذي يكتنف كون المرء فرداً مستقلاً يُثقل كاهل المواطن العادي. باعتمادك على انتماءات جماعةٍ ما، تتوقف عن التفكير وتبدأ بالانفعال. تصبح آراؤك متوقعة، ويختار الآخرون أعداءك، وتضيق نظرتك للواقع إلى حدٍّ كبير. الانتماء أشبه بمخدرٍ يُخدر التفكير النقدي مقابل شعورٍ زائفٍ بالأمان العاطفي؛ تُفضل أن تكون مخطئاً مع الأغلبية على أن تكون على صوابٍ في المنفى.
يبدأ النضج الفكري في اليوم الذي تجرؤ فيه على خذلان من حولك. ثمة حريةٌ عظيمة في أن تكون «غريبًا» داخل دائرتك، في أن تُشكك في المسلّمات التي يقبلها الجميع بدافع العادة. مع ذلك، يُعالج الدماغ الإقصاء الاجتماعي بنفس المسارات العصبية التي يُعالج بها الألم الجسدي؛ ولهذا يصعب الاختلاف. ليس الأمر نقصًا في المنطق، بل هو غريزة البقاء. لقد بُرمجنا لنكون جنودًا لقضية، لا باحثين عن الحقيقة، وكسر هذه البرمجة يتطلب شجاعةً لا تُدرَّس في المدارس.
ليست العزلة فشلاً اجتماعياً، بل هي شرط أساسي للوضوح. فقط عندما تكون مستعداً للسير دون تصفيق القطيع، يمكنك أن تبدأ في سماع همس ملاحظاتك المباشرة. لم تأتِ قفزات التطور العظيمة للبشرية من تجمعات قائمة على الإجماع، بل من أفراد منعزلين تجرأوا على النظر حيث مُنعت الجماعة من الإشارة. ثمن الأصالة هو عدم الفهم، وإذا لم تكن مستعداً لدفعه، فمصيرك أن تكون مجرد هامش في سيرة غيرك.

أترك تعليقاً

التعليقات