مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
على أعتاب قدوم يوم الفاجعة؛ أقف ملياً مع التاريخ؛ وهو يعرض صفحاته كلها على شاشةٍ عملاقة اسمها «الحاضر» وتطالعني وجوهُ البغاة كلهم؛ ولكن بصفات وأسماء جديدة. كل ذلك ليقول لي ولك عزيزي القارئ: إن كان «يزيد» الطاغية الأموي قد هلك؛ فإن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن المعركة قد انتهت؛ بل لا تزال في أوجها؛ لأن مشكلتنا ليست مع يزيد كشخص فحسب؛ بل مع يزيد كأفعال ونظم وقوانين وأفكار ومواقف وقرارات، وبالتالي أنا حين أقف مع الإمام الحسين من خلال ذكرى ثورته؛ فإني لا أكتفي بإدانة مرتكبي تلك الجريمة النكراء، ولا بإعلان البراءة من يزيد ونظامه فحسب؛ بل أسعى إلى أن أقوم بواجبي في المواجهة ليزيد المعنى الذي لم يمت بموت يزيد الفرد. كما أن وقوفي مع الحسين لا يعني أنني أريد ابتعاث زمن الواقعة، فانضم إلى تلك العصبة التي حظيت بالشرف والفوز حين قاتلت وقتلت بين يديه؛ أنا لا أكتفي بارتباطي بالحسين في زمن 61هـ، بل أسعى للارتباط بالحسين المعنى الذي هو جارٍ مجرى الزمن كله.
نعم، فالتاريخ يعيد نفسه؛ ولكن ليس من خلال عودة الأشخاص بعينهم؛ وإنما بعودة منطقهم ومعاييرهم وأساليبهم في الحكم؛ وطرق تعاملهم مع الناس. وهنا يجب التنبيه إلى أمرٍ جد خطير؛ هو: أن هناك مَن هو أسوأ بكثير من يزيد الماضي ويزيد كل زمان ومكان؛ وهو: مَن يبرر لليزيديين ظلمهم، ويمنح طغيانهم غطاء فكريا أو دينيا؛ لكي يتقبله الناس، ويخضعوا له، وتلك هي لب رسالة كربلاء دماً وقضيةً.
وعليه؛ فإن نصرة الحسين اليوم؛ لا تهدف إلى نصرته كذات؛ وإنما كمعنى ورمز للحق والحقيقة... وهذا هو البعد الذي أكسب الحسين ثورةً ومواقف وقضيةً كل هذا الزخم في القدرة على البقاء والتجدد والخلود؛ إذ لو كانت المسألة تقف عند النصر والهزيمة العسكرية؛ لما بقي عاشوراء بمثل هذا الحضور؛ الذي يمنح الزمن روحاً؛ ويهب الأحرار والمستضعفين القوة والثبات والإرادة المطلوب توفرها لاستئصال الظلم والطغيان من الأرض كلها.
وهكذا؛ يبقى الحسين بما يمثله هو؛ الميزان لكشف معادن القادة؛ والمرجعية التي يحتكم إليها الأحرار من كل دين وعرق ولون ولسان؛ والجبل الذي يأوي إليه الثوار؛ ليعصمهم من التراجع والمذلة والاستسلام. ويظل منهاجه هو المقرر الذي لا نجاح لإنساننا في الحياة والمصير إلا بعد أن يتجاوز الامتحان؛ والذي لا يقتصر على جيل اليوم؛ وإنما هو امتحان لكل البشرية حتى القيامة.

أترك تعليقاً

التعليقات