‏عملية الغضب المتصاعد
 

مراد شلي

مـراد راجح شلي / لا ميديا -
لم يكن وسط القيظ اللاهب في منطقة الثنية بمأرب ما يوحي بأن دقائق قليلة فقط تفصل المكان عن التحول إلى أكبر مقبرة مفتوحة.
كانت الشمس تحرق الرمال والجنود ينتشرون بين الخيام، والشاحنات لا تتوقف عن إدخال المزيد من الرجال والذخائر. بدا كل شيء وكأنه استعداد لمعركة قادمة.. لكن أحداً لم يكن يعلم أن معركة قادمة ستبدأ من داخل السماء.
في تلك اللحظة كان قاسم يشق الطريق الترابي مبتعداً عن المعسكر، وحقيبته الصغيرة تتدلى من كتفه، بينما كانت دموعه تسبق خطواته بعد أن وصله خبر وفاة والدته.
لم يكن يعلم أنه يغادر الموت.
 *
قبل ذلك بساعات.. رن هاتف قاسم داخل المعسكر.
جاءه صوت والده متعباً، متكسراً، يحمل وجع سنوات الحرب: "اصبر يا ولدي.. إذا أعطوك المرتب تعال".
تنهد قاسم وقال بمرارة: "أي مرتب يا أبي؟ المطاوعة الذين معهم يستلمون كل شهر، ونحن لنا ستة أشهر ننتظر".
ساد صمت طويل. ثم قال الأب: "إيجار البيت أثقل ظهورنا.. وأمك، الحمد لله، يعالجونها في المستشفى الميداني المجاني التابع للحوثيين أما الذين وعدونا، فلم نعد نرى منهم إلا الوعود".
كاد قاسم أن يقول شيئاً، ثم ابتلع كلماته.
أنهى المكالمة، لكنه لم يستطع إنهاء الأسئلة التي راحت تنهش صدره.
كيف تحولت الأحلام إلى طوابير انتظار؟
وكيف أصبح الراتب هو السبب الوحيد الذي يدفع الشباب إلى وهم الدفاع عن الدين والوطن؟
لم يكن قاسم سيصل إلى معسكر الثنية لولا خطيب مسجد قريتهم.
يقف الخطيب يوميا يحدث المصلين عن الجهاد، وعن معركة العقيدة، وعن النصر القريب.
وحين انتهى، ابتسم ابتسامة باهتة وقال: "اذهبوا.. سيدفعون لكم مرتبات سعودية".
كانت تلك الجملة أقوى من كل الخطب.
خرج قاسم مع أربعة من أبناء قريته يحملون أحلاماً صغيرة، ولم يكونوا يعلمون أنهم يسيرون نحو معسكر سيكون بعد عام عنواناً لواحدة من أعنف الضربات العسكرية.

*
في مأرب انعقد اجتماع عسكري ضم قادة ميدانيين، وضباطاً سعوديين، وضابطين أجنبيين، بعد يوم واحد فقط من الغارات السعودية على الحديدة.
وقف ضابط سعودي أمام الحاضرين وقال بلهجة متغطرسة: انتهى وقت الإعداد لسنين حان وقت التنفيذ.
ثم أشار إلى رجل طويل القامة أشقر الملامح.. تقدم الضابط الأجنبي نحو الشاشة الإلكترونية.
بدأ يشرح بعربية مكسرة مواقع الانتشار، ومسارات التقدم، وساعات الهجوم، بينما كانت الخرائط تتغير أمام الحاضرين.
لكن أحداً في القاعة لم يكن يدرك أن تفاصيل الاجتماع غادرت المكان قبل أن يغادرها المجتمعون.

*
في صنعاء.. داخل أحد مقرات الأمن والمخابرات جلس ضابطان أمام أجهزة تنصت واتصالات معقدة.. كل كلمة خرجت في مأرب كانت تصل إليهما في اللحظة نفسها.
لم يقاطعا التسجيل.
لم يتبادلا الحديث.
أحدهما اكتفى بأن رفع سماعة الهاتف وقال بهدوء: "اكتملت الصورة أبلغوا القيادة".
بعد ساعات، اجتمع عدد من القادة العسكريين في صنعاء.
وقف قائد عسكري ببزته الرصاصية وعيناه الحادتان ولحية ذقنه القصيرة أمام شاشة إلكترونية كبيرة.
كانت أمامه عشرات النقاط الحمراء. قال بهدوء الواثق: "لن نستهدف موقعاً واحداً.. سنستهدف الجميع".
تحركت يده فوق الخريطة.
"كل هدف له مجموعته.. وكل مجموعة تنتظر الإشارة نفسها.. وإذا أخطأ أحد في التوقيت، فقد أخطأ الجميع".
ساد الصمت. ثم قال: "هذه ليست معركة رد فعل.. هذه معركة استباق".
وانتهى الاجتماع بالشعار الجماعي، بينما كانت عقارب الساعة تقترب من موعد لم يكن يعرفه إلا قلة من الرجال.
*
عاد قاسم يجمع أغراضه بعد أن وصله اتصال والده.
كانت الكلمات هذه المرة أشد قسوة: "يا ولدي.. أمك رحلت".
لم يشعر بما حوله. خرج من المعسكر بلا استئذان. لم يلتفت إلى الجنود. ولا إلى الشاحنات التي كانت تواصل إدخال التعزيزات.
كان يمشي فقط.. يمشي وهو يعتقد أن الدنيا انتهت.
وحين وصل إلى الطريق الإسفلتي، دوى انفجار هائل خلفه.
ثم انفجار ثانٍ.
ثم ثالث.
ثم تحولت السماء إلى كرة نار.
التفت فرأى معسكر الثنية يغرق في ألسنة اللهب، بينما كانت الانفجارات المتلاحقة تمزق الصحراء، وتصاعدت أعمدة الدخان حتى حجبت الأفق.
وقف مذهولاً.
لو تأخر دقائق فقط.. لكان اسمه بين القتلى.
في تلك اللحظة ظهرت على شاشة التلفاز صورة العميد يحيى سريع معلناً تنفيذ عملية عسكرية واسعة استهدفت معسكرات وتحشيدات عسكرية في الثنية والرويك والعبر ومواقع أخرى، مؤكداً أنها جاءت لإحباط تصعيد عسكري كان في مراحله الأخيرة.
أما قاسم فنظر مرة أخيرة إلى المعسكر المحترق.. اختلطت في صدره مرارة فقد أمه، وصدمة نجاته، وغضب سنوات الخداع. ثم همس بكلمات خرجت من أعماق قلبه: "كنت أظن أنني أغادر المعسكر.. لكن الحقيقة أنني غادرت الوهم كله".

أترك تعليقاً

التعليقات