ترامب وكومودوس..طاغيتان أحبهما الغوغاء!
 

مراد شلي

مراد راجح شلي / لا ميديا -
في الفيلم الملحمي التاريخي «المصارع» (Gladiator) كان هناك مشهد حوار بين بطل الفيلم «مكسيموس» و«لوسيلا» أخت الإمبراطور المريض نفسياً والحاقد الجبان.
لوسيلا: اليوم رأيت عبداً يصبح أقوى من إمبراطور روما!
مكسيموس: أنا تحت رحمتهم، لديّ القوة فقط لألهي حشداً من الرعاع.
لوسيلا: هذه هي القوة؛ الرعاع هم روما.
أفصحت لوسيلا عما تضمره الأنظمة لشعوبها، تماماً كأمريكا التي بات يحكمها عجوز متغطرس وقاتل أشبه بالمهرج، وبات محبوب الرعاع، في إسقاط لثقافة الشعبوية وتدني وعي الشعب الأمريكي.
لم تكن هذه الظاهرة وليدة الصدفة، بل هي نتاج طبيعي للثقافة الشعبوية التي تغذيها وسائل الإعلام والسياسات التي تستغل الجهل السياسي للمواطنين.
لقد حطت هذه الثقافة من وعي الشعب الأمريكي، فحوّلته من مواطن ناقد إلى «غوغاء» يلهث وراء الإثارة والترفيه، تماماً كما يصف الكاتب دوغلاس رابوزو في مقاله الذي يحمل عنوان «نحن نصبح أمة من زومبي الغوغاء الرومان».
يستند رابوزو في تحليله إلى التشبيه الروماني نفسه، مشيراً إلى أن العائلات الحاكمة في روما القديمة كانت تقدم للسكان العنف والإباحية والمقامرة كترفيه، وكان الجمهور يهتف لمزيد من «المتعة». هذا الواقع جعل من الديمقراطية طغياناً، إذ يتم استبدال الرأي العام الحقيقي باستطلاعات الرأي المصنعة التي تستخدمها النخب الحاكمة للتلاعب بالجماهير. ويضيف رابوزو أن الأسلوب نفسه يحدث اليوم في أمريكا، إذ تعمل النخب العالمية على تخدير وعي المواطنين من خلال المخدرات والترفيه الهابط، لجعلهم «فئة من الضعفاء العبيد غير القادرين على أداء واجبهم كمواطنين في جمهورية دستورية». النتيجة؟ أمة من «زومبي الغوغاء الرومان» الذين يرفعون الإبهام إلى الأعلى أو الأسفل كما لو كانوا في حلبة مصارعة.
هذا التحليل يلتقي مع ما يراه الكاتب إيليا سومن في مقاله بمجلة
(The Atlantic)، إذ يشير إلى أن ترامب «أطلق هجوماً على أي سلطة أخرى غير نفسه، وعاقب المنتقدين، وتابع أهواءه الشخصية، متجاهلاً القانون والأعراف». لكن الأهم أن هذا السلوك لم يجد أرضاً خصبة لولا وجود جمهور «الرعاع» الذين فقدوا قدراتهم النقدية.
سومان يرى أن ترامب استمتع «بجماليات الاستبداد» أكثر من جوهره، متلهياً بمشاهد القوة بدلاً من بناء نظام حكم حقيقي.
والسؤال التالي هو: ما حجم الضرر الذي سيلحق بالعالم جراء هذه السياسات الهوجاء؟
الكاتب مات ك. لويس نشر مقالاً في «لوس أنجلوس تايمز» طرح فكرة أن الضرر الذي يلحقه ترامب بالسياسة الخارجية والنظام العالمي قد لا يظهر بشكل كامل إلا بعد مرور 10 إلى 15 عاماً.
عاود ترامب اليوم تهديداته الشنعاء التي تجاوزت كل الأعراف والقيم، بحصار مضيق هرمز، ملوحاً باستخدام القوة المفرطة، ومستغلاً حديثه بتأكيده أنه لن يأبه لأي ردّة فعل على تهديده بمحو الحضارة الإيرانية.
الرجل لا يهذي، بل يفصح عن حالة نظام أضمر كل الموبقات بحق العالم طوال تاريخه.
في حرب الاثني عشر يوماً، التي قادتها أمريكا و«إسرائيل» ضد إيران، قال المستشار الألماني إن «إسرائيل تقوم بالعمل القذر نيابة عنا».
الآن يتكفل ترامب ونظامه بكل العمل القذر، أمام الشاشة وفوق الطاولة، وعلى مرأى ومسمع العالم الجبان الأخرس ميت الضمير.
الخلاصة: ما حدث في روما يتكرر في أمريكا. عندما يسقط الوعي، يرتفع المهرج إلى العرش، ويصبح «الرعاع» هم الأداة التي يحكم بها الطاغية، قبل أن يكتشفوا بعد فوات الأوان أنهم كانوا يصفقون لجلادهم.

أترك تعليقاً

التعليقات