21 أيلول على أكثر من محك
 

محمد الصالحي

محمد الصالحي / لا ميديا -
تُعرَّف الثورة بأنها عملية تغيير عميقة وجذرية تستهدف إعادة تشكيل واقع الدولة والمجتمع، وتشمل مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية. ولذلك فإن تغييراً محدوداً في جانب واحد، مهما كان مهماً، لا يكفي وحده للقول إن الثورة حققت أهدافها كاملة؛ لأن الثورة الحقيقية مشروع متكامل لا يتوقف عند تغيير السلطة أو إعادة ترتيب بعض مؤسسات الدولة.
وبعد 12 عاماً من انتصار ثورة 21 أيلول/ سبتمبر، يبرز سؤال مهم لا يمكن تجاهله: هل أحدثت الثورة تغييراً حقيقياً في اليمن؟
عند النظر إلى ما شهدته البلاد خلال هذه السنوات، نجد أن هناك تغييراً واضحاً وجذرياً في الجانب  العسكري وفي السياسة الخارجية. فقد تغيرت طبيعة القرار العسكري، وتغيرت معادلات القوة، وانتقل اليمن من موقع كان فيه طرفاً متلقياً للإملاءات والضغوط الخارجية إلى طرف يمتلك أدوات تأثير ويفرض حساباته في المعادلة الإقليمية. كما شهدت السياسة الخارجية تحولاً واضحاً في طبيعة العلاقة مع القوى الإقليمية والدولية وفي مستوى استقلال القرار اليمني.
هذا التحول لا يمكن تجاهله أو التقليل من أهميته؛ لأنه يمثل تغييراً جوهرياً في موقع اليمن ودوره، وفي مفهوم السيادة الوطنية. لكن ماذا عن بقية الجوانب؟
هنا تبدو الصورة مختلفة. ففي الجانب الاقتصادي لا يزال المواطن ينتظر تحولاً ينعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشته. وفي الجانب الاجتماعي لا تزال كثير من المشكلات البنيوية قائمة. وفي الجانب الثقافي لا يزال بناء الوعي الوطني والثقافة التي يفترض أن تنتجها الثورة بحاجة إلى عمل أكبر. أما على مستوى مؤسسات الدولة والإدارة والخدمات، فما زالت الفجوة واسعة بين ما ينبغي أن يكون عليه الواقع وبين ما هو قائم فعلاً.
هذا يعني أن المشكلة ليست في غياب التغيير بصورة مطلقة، وإنما في عدم اكتماله وشموله لمختلف المجالات.
فالثورة لا تُقاس فقط بما حققته في مواجهة الخارج، وإنما أيضاً بما أحدثته في الداخل. والانتصار في معركة السيادة والاستقلال لا يصبح مكتملاً ما لم يتحول إلى مشروع لبناء اقتصاد قوي، ومؤسسات فاعلة، وخدمات أفضل، ومجتمع أكثر تماسكاً، وثقافة وطنية قادرة على حماية المنجزات التي تحققت.
ومن هنا فإن الحديث عن ثورة 21 أيلول بعد 12 عاماً يجب ألا يتحول إلى احتفال بالإنجازات فقط، كما لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار ما تحقق. التقييم الحقيقي يقتضي وضع كل مجال أمام أهداف الثورة وقياس ما تحقق فيه وما لم يتحقق.
وإذا كان الجانب العسكري والسياسة الخارجية قد شهدا تحولاً كبيراً، فإن ذلك يضع مسؤولية أكبر على المرحلة القادمة: كيف يتحول هذا التغيير في موازين القوة والاستقلال في القرار إلى تغيير ملموس في حياة المواطن؟
فالغاية النهائية من أي مشروع ثوري ليست فقط امتلاك القدرة على مواجهة الخارج، وإنما بناء الداخل على أسس جديدة. ولا معنى لقوة الدولة في الخارج إذا بقي المواطن يعاني من ضعف الاقتصاد، وتراجع الخدمات، وتعقيدات الإدارة، وتراكم المشكلات الاجتماعية.
ولهذا فإن استمرار الثورة، بمعنى استكمال مشروعها وأهدافها، يصبح ضرورة، وليس ترفاً سياسياً. فالمرحلة القادمة ينبغي أن تكون مرحلة انتقال من تثبيت ما تحقق في المجال العسكري والسياسي الخارجي إلى استكمال التحول في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإدارية.
لقد قطعت ثورة 21 أيلول خلال 12 عاماً مسافة مهمة؛ لكن المسافة المتبقية هي الأكثر ارتباطاً بحياة الناس اليومية، وهي التي ستحدد في النهاية مدى قدرة الثورة على تحويل شعاراتها ومبادئها إلى واقع يعيشه المجتمع.
فالثورة التي تتوقف في منتصف الطريق تتحول إلى مجرد حدث تاريخي. أما الثورة التي تستمر في تحقيق أهدافها وتطوير مؤسساتها وبناء اقتصادها ومجتمعها، فإنها تتحول إلى مشروع دولة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في عامها الثاني عشر ليس فقط: ماذا حققت ثورة 21 أيلول؟ وإنما أيضاً: ماذا بقي عليها أن تحقق؟
والإجابة على هذا السؤال هي التي تحدد طبيعة المرحلة القادمة: مرحلة استكمال الثورة، لا الاكتفاء بما تحقق منها.

أترك تعليقاً

التعليقات