مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لا يزال صوت «شهيد المسيرة وشاهدها» و«صورة المشروع القرآني الكاملة، ونموذجه العملي الأوحد»؛ «صالح المؤمنين» الرئيس الشهيد الصماد؛ يتردد على مسامعي، وهو: يتحدث عن الفرصة التي حظي بها اليمنيون؛ في ظل قيادة رسالية، ومنهاج رباني؛ فرصةٌ لم تتح لأحدٍ قبلنا من الشعوب، وظروفٌ جد مهيئة لإقامة دولة العدل الإلهي؛ لم يحضَ بنصفها أي إمامٍ من إئمة العترة، وأعلام الهداية؛ لكن المنهاج الشامل، والقيادة الراشدة الهادية لا يصنعان التحول المطلوب، ولا يستطيعان إقامة الواقع كله على صورتهما إلا في ظل وجود أمة؛ على قدر كبير من الوعي والبصيرة؛ لديها القابلية لأنْ تهتدي إلى الطريق القويم؛ أمةً ذائبة في الحق؛ مرتبطة بالناس؛ مجبولة على نشدان الكمال في القول والعمل؛ لا تقبل على نفسها السوء؛ ولا تضم بين صفوفها القصور والقاصرين؛ ولا ترضى بـ«الحاصل» وتقف عندما تم كيف ما اتفق؛ ولا تقبل أنْ تقيس عمل مسؤوليها وساستها بمَن كان قبلهم؛ وبالتالي تسكت عن تجاوز المتجاوزين؛ لأنه لم يبلغ مبلغ التجاوزات التي كان يرتكبها النظام السابق؛ وتتغاضى عن ظلم ظالميها وفساد فاسديها، باعتبار أنهم مهما فعلوا من القبائح والمنكرات؛ ومارسوا من الظلم؛ وصاحب حركتهم من الانحرافات؛ فإنهم بنظر الواقع والتاريخ؛ يظلون «أحسن السيئين». وهذا ما تسعى ماكينات السقائف لترسيخه اليوم.
هذا يعني: أن هناك منابت لتعميم التصالح مع العجز؛ والرضى بجزء من الحق بدلاً عن الحق كله؛ وإعذار ظالمي اليوم؛ لأنهم لن يبلغوا مبلغ ظالمي الأمس؛ وتبييض صفحة فاسدي الراهن؛ لأن فسادهم ليس سوى نقطة في بحر فاسدي الماضي! وها هنا تكمن الخطورة؛ لأن من هذه البوابة بالذات يدخل الطغاة؛ متخذين كلما تم ترسيخه في الوعي العام من مفاهيم ناقصة؛ ومعزولة عن سياقها بساطاً لفرض سياسة العلو؛ وتمكين سلطة الطاغوت على الواقع كله.
إن الخوف من بقاء المفاهيم الرسالية على ما هي عليه في الأصل من صفاء وسعة وعمق ومصداقية هو: جل ما يخشاه المفرطون والناقصون والراضون بما تم كيف ما اتفق؛ أعظم من خشيتهم للسيف نفسه؛ لأنهم يريدون للمنهاج أنْ يظل محصوراً في نطاق ما بلغه عقلهم القاصر؛ وأنْ تظل معانيه ومفاهيمه ومبادئه محكومة بما يرتضونه لها من تفسيرات جامدة؛ وآفاق ضيقة؛ فيشيخ المشروع؛ ويصيبه العمى والعجز؛ وتساق الثورة طيعة إلى القصر كجارية رخيصة.
هذه هي استراتيجية أولئك؛ الذين يجعلون من نقائصهم سلطاناً يسود الأرض، وليتهم اكتفوا بذلك؛ بل يريدون احتكار المستقبل لأنفسهم، كما لا يحتملون أن يكون للغيب يدٌ في الأرحام، ولا أن يكون للسماء نصيبٌ في صناعة الغد. لذا يمدون يدهم إلى المهد قبل أن يمدونها إلى الميدان، ويستعملون الخوف على الأرحام كما يستعملونه على الحدود. وتلك هي القاعدة التي تقوم عليها الفرعونية كمنظومة شاملة، ومن تأمّل هذا علم أنّ هكذا سياسة ليست سياسةً للخوف فقط، بل هي حربٌ على الإمكان المقدّس، وسعيٌ لإجهاض الوعد قبل أن يخرج من الغيب إلى الشهادة.

أترك تعليقاً

التعليقات