مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
جاء الإسلام فرفع من شأن الإنسان وكرمه. قال الله: «إني جاعل في الأرض خليفة»، وقال: «ولقد كرمنا بني آدم»، وقيل في الأثر: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»... فكانت الرسالة واضحة أن الإنسان مسؤول حر يفكر ويختار ويحاسِب ويحاسَب. ولكن «دين السلطة» لا يستطيع أن يحكم إنساناً بهذه المواصفات. هو يحتاج إلى «رعية» لا تسأل ولا تفكر ولا تعترض، رعية تردد: «سمعنا وأطعنا»، حتى في الضلال والباطل. لذلك كانت المهمة الأساسية طوال 14 قرناً هي تفكيك الإنسان الحر وإعادة تركيبه كإنسان خاضع.
بدأت صناعة الإنسان الخاضع بمرحلة التخويف. وكان أول درس يلقن للناس هو: «اسكت حتى لا تكون فتنة». فصار السؤال جريمة، والاعتراض خروجاً، والنقد فتنة... وبهذه الطريقة خاف الإنسان من لسانه ومن عقله ومن ظله، وصار الصمت هو الخيار الآمن. ثم جاءت مرحلة التجهيل بشعار: «لا تسأل». تم تفسير الآية: «لا تسألوا عن أشياء إن تبدُ لكم تسؤكم» على أنها منع من التفكير، فأغلق باب الاجتهاد وحُرمت الفلسفة وحُكم العلماء، وتحول العقل من نعمة إلى نقمة، وصار الجهل عبادة، والتسليم الأعمى هو الإيمان المطلوب. بعد ذلك جاءت مرحلة التقديس تحت عنوان «ولي الأمر». تم فصل الآية: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» عن سياقها، وصار ولي الأمر صنماً لا يخطئ ولا يُسأل ولا يحاسَب، ومن اعترض عليه قيل عنه «شق عصا الطاعة».
أخيراً جاءت مرحلة التخدير بشعار: «الآخرة». صار يقال للناس: اصبروا فالدنيا فانية والجزاء في الآخرة؛ فصار الظلم ابتلاء، والفقر زهداً، والاستبداد قدراً... وهكذا ماتت إرادة التغيير في مهدها.
تمت هذه البرمجة عبر أربع أدوات رئيسية: الأداة الأولى كانت المنبر. بدلاً من أن يكون مكان تذكير بالله صار مكان تنويم. اقتصرت خطبة الجمعة على مسائل الطهارة والحيض وطاعة الحاكم، وختمت بالدعاء بطول عمر السلطان.
الأداة الثانية كانت التعليم. مناهج تقوم على التلقين لا على التفكير، وتاريخ مزور، وفقه محفوظ، والسؤال فيها ممنوع. فتخرج جيل يحفظ ولا يفهم، ويردد ولا يراجع.
الأداة الثالثة كانت الفقه السلطاني، الذي وضع الأولويات بالمقلوب؛ فصار فقه الحيض أهم من فقه الحريات، وفقه الوضوء أهم من فقه العدل، وفقه الطاعة أهم من فقه المقاصد... فتحول الدين إلى ألف حكم فرعي، مع صفر حكم في الاستبداد.
الأداة الرابعة كانت سيف التكفير. كل من فكر قيل عنه زنديق، وكل من سأل قيل عنه مبتدع، وكل من اعترض قيل عنه خارجي... فاختار الإنسان السلامة واختار الصمت.
النتيجة كانت ظهور «الإنسان الخاضع» كمنتج نهائي لهذا المصنع. الفرق بينه وبين «الإنسان الخليفة» كبير. الإنسان الخليفة يسأل: لماذا؟ بينما الخاضع يقول: هكذا قال الشيخ. الخليفة يحاسب الحاكم، والخاضع يدعو له. الخليفة يرى الظلم فيقاومه، والخاضع يراه فيحتسب. عقل الخليفة منارة، وعقل الخاضع عورة. الخليفة مسؤول أمام الله مباشرة، والخاضع مسؤول أمام الشيخ وولي الأمر...
وكان لصناعة الخضوع ثلاثة آثار مدمرة، أولها: موت السياسة. لا توجد سياسة بلا مواطن، ولا مواطن بلا عقل. فصرنا رعية تنتظر المنحة بدل أن نكون أمة تصنع القرار. ثانيها: موت العلم. الأمم التي تفكر تنهض، والأمم التي تطيع تتخلف. ولهذا تقدمنا بضع قرون ثم توقفنا. ثالثها: موت الدين نفسه. فالدين بلا عقل يتحول إلى طقوس، وبلا حرية يتحول إلى سجن، وبلا عدل يتحول إلى نفاق.
لكن كما تمت صناعة الإنسان الخاضع يمكن تفكيك هذا المصنع وإعادة صناعة الإنسان الحر. الخطوة الأولى هي إعادة الاعتبار للسؤال. القرآن كرر «أفلا يعقلون؟» 49 مرة، فالسؤال عبادة، والشك في الباطل إيمان. الخطوة الثانية: إعادة الاعتبار للكرامة. لا طاعة في معصية، ولا قداسة لإنسان؛ «الناس سواسية كأسنان المشط». الخطوة الثالثة: إعادة الاعتبار للمسؤولية. «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». والرعاية تبدأ بمحاسبة الراعي، والأمر بالمعروف يبدأ بالأمر على الحاكم الظالم.

أترك تعليقاً

التعليقات