رحى الحرب!
 

ابراهيم الحكيم

إبراهيم الحكيم / لا ميديا -
الحرب مآل عُسر وخُسر وقسر، وبال قهر وهدر وتقهقر في مسيرة الإنسانية. ليست بأي حال أداة ظفر ويسر وتحضر، ولا مبرر لها إلا إن كانت دفاعا أو كان دافعها التحرر من نير احتلال أو ربقة وصاية وإذلال.
الحرب ممحاة ومحبرة في آن معا. تمحو سفرا من نتاج الحياة وتحبر حاضر ومستقبل الحياة بهالة قاتمة وكالحة السواد، تديم كرب الحروب حتى بعد أن تضع أوزارها ولعقود طويلة تسمر آثارها.
تلك طبيعة الحروب، مهما تطورت تقنياتها وتكنيكاتها، تبقى كما زلزال لا يعرف بعد وقوعه وانفجار غازه المحقون، كيف ومتى يكون انحسار حمم لهبه وخمود نيرانه، ولا كيف يؤوب السكون.
نظريا، لا أسهل من إشعال الحرب إنما لا أصعب من إخماد نيرانها. فكل يوم في الحرب يوقد لأيام ألظى، وهكذا تغدو الحرب ولادة للنفير والسعير، بركانا لا يخمد وإعصارا لا يهمد...
وعمليا، لا رابح من دون خسائر في الحروب، مهما بلغ من قوة. فالحرب رحى تطحن البشر والحجر، والشجر والفخار، وتمتد آثارها لتشمل المستقبل، تهد الكيان وتدمر المكان، عمرانا وإنسانا.
لهذا تنتج الحروب أقسى الظروف وأنكى الصروف لأنها أعتى الخطوب وأشد الكروب. يغدو كل طرف من أطرافها في حكم المنكوب، لا ينج من الندوب ولو كابر فإنها تستنزفه وتهدر مقدراته.
تسرق الحروب كل معنى للحياة وتخنق كل مغزى من الحياة. يغدو الوقت فيها بلا معنى، والعيش معها بلا جدوى، يصير عمر الإنسان والبنيان نهبا، يتلاشى من دون قيمة أو أثر عدا الذكرى المريرة.
حتى بعد أن تتوقف الحرب، وعلاوة على أهوالها وما تحدثه في النسيج والبنى من انهيارات وثقوب، فإنها تترك دائما كما هائلا من الجراح والندوب في الأبدان والوجدان، لا تبرأ أو تمحى أو تذوب!
قد تكون الحرب وسيلة وحيدة للتحرر، وقد تقود إلى تغيير اجتماعي قسري لواقع قهري للحياة يئد الأمل في غد أفضل. لكن الحرب تظل أداة تدمير تعيد إلى الوراء وتكبل سرعة الخطوات للأمام.
يتطلب الأمر حين تقرع طبول الحرب ويبدأ هبوب عواصفها تفكيرا عميقا ورؤية بعيدة تتجاوز الأفق المنظور. يحتم العقل استنفاد جميع الخيارات البديلة المتاحة، وتلك الممكن خلقها.
لا منتصر في أي حرب وإن أمضى طرف فيها إرادته وفرضها قسرا واستطاع كسر خصمه وقهره. تظل أطراف الحرب خاسرة جميعها، بكل المقاييس وعلى مختلف المستويات.
لهذا ربما كانت الحروب قديما وقد قرعت طبولها وحشدت جيوشها وأوقدت مشاعلها، تعتمد مبارزة بين قادة جيوشها، لاختصار آمادها وخسائرها بجولة واحدة وحاسمة: نتاج المبارزة.
يظل الثابت أن العقل يسبق الفعل، ولهذا ميز الله الإنسان عن باقي الكائنات الحية. كي يؤدي مهمة الاستخلاف ويعمر الأرض ولا يعيث فيها فسادا. والعاقل من استطاع تجنب الحرب.
ويبقى المؤكد في حال اليمن و»الجارة الكبرى» أن التقارب أجدى من أي تجارب أخرى تنحو لمزيد من الاحتراب الأقسى، وأن من يحول دون التفاهم والسلام العادل، عدو مشترك ومستفيد وحيد من الاحتدام.

أترك تعليقاً

التعليقات