جدل بائر!
 

ابراهيم الحكيم

إبراهيم الحكيم / لا ميديا -
يدور جدل بائر حول مذكرة تفاهم إسلام أباد بين إمبراطورية ترامب الأمريكية وجمهورية إيران الإسلامية. يتمحور الجدال في جواب السؤال: مَن المنتصر ومَن المنهزم في الحرب؟ والحال أن مرد الجدال هو اختلال مفهوم النصر والهزيمة، والخسارة والغنيمة.
المفهوم أن النصر يعني الظفر بأهداف الحرب، والهزيمة تكون بفرض المنتصر لهذه الأهداف واقعاً وإجبار المنهزم قسراً على شروط الاستسلام صاغراً. ولنا أمثلة عدة لمعاهدات صكوك استلام الإمبراطورية العثمانية (معاهدة لوزان 1923) واستسلام اليابان وألمانيا وإيطاليا (معاهدات باريس ١٩٧٤م)... إلخ.
والمعلوم أن الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس حكومة الكيان الصهيوني نتنياهو أعلنا خمسة أهداف رئيسة لحربهما العدوانية على إيران، لخصاها في: إنهاء النظام الإيراني، وإنهاء الحرس الثوري، وإنهاء البرنامج الصاروخي، وتفكيك البرنامج النووي، وتغيير السلوك الإقليمي (دعم فصائل المقاومة للاحتلال الصهيوني).
الحاصل أن حرب الأربعين يوماً على إيران، بكل ما حشدته عسكرياً واستخباراتياً واقتصادياً، لم تتحقق أهدافها، وهذا يعني هزيمة ترامب ونتنياهو. أما الخسائر في الحروب فحتمية: خسائر بشرية: مدنية وسياسية وعسكرية، وخسائر مادية: عتاد عسكري، مرافق ومنشآت، وخسائر مالية.
محسوم هنا أن خسائر أي حرب لا تقتصر على طرف دون آخر، وأن كل أطراف الحرب خاسرة. لكن النصر أو الهزيمة محكوم بأهداف الحرب، وفقدان القدرة على خوضها، وبالطبع فقدان ركن أو أركان الدولة (الأرض، الشعب، النظام، السيادة)، وهذا لا ينطبق على إيران في الحرب الأخيرة عليها.
عدا هذا، تكبدت إيران خسائر مادية وبشرية. كذلك أمريكا خسائرها كبيرة، فبلغت نفقات حربها 80 مليار دولار، بحسب الكونجرس، علاوة على خسائر أصول عسكرية من طائرات وعتاد قواعدها العسكرية في المنطقة، إضافة إلى خسائر اقتصادية بينها 60 مليار دولار دفعها الأمريكيون زيادة في أسعار الوقود.
هناك أيضا -وهو الأهم- خسائر أمريكية كبيرة سياسياً وأخلاقياً، ليس أقلها سقوط مهابة إمبراطورية أمريكا وتبدد هالة قوتها، ودعاية تحضُّرها ورعايتها الخير والأمن والسلام عالمياً، وانحسار صفتها "شرطي العالم" بثبوت أنها طرف معتدٍ، وانهيار رتبتها "قائداً أوحد" للنظام العالمي، كما رأينا جميعنا.
أكثر من هذا أن من زعمت إمبراطورية أمريكا والكيان الصهيوني أنه "الشر الأكبر والعدو الأخطر"، واتهماه بأنه "مصدر الإرهاب العالمي وراعيه"، ووصماه بـ"النظام المتخلف والمستبد"، وزعما أنهما دمرا قدراته وقواته "ولم يعد أمامه إلا الاستسلام"؛ فرض اتفاقاً مشروطاً للسلام، يتضمن إقرار ترامب بالانهزام.
يؤكد هذا بند تعويضات الحرب، الذي يقترن دائماً بالطرف المنهزم، كما حدث -مثلاً- بعد هزيمة الصين من اليابان، وعقب الحربين العالميتين الأولى والثانية مع ألمانيا، ومع اليابان وإيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية، ومع العراق بعد حرب الخليج، ومع اليونان بعد هزيمتها من تركيا، وغيرها من الحروب في العالم.
لكن حتى وإن حورت إمبراطورية أمريكا تسمية "بند تعويضات الحرب"، وسمته "إعادة إعمار"، يظل الظاهر هو الالتزام المادي بجبر الضرر الناجم عن شن الحرب، وليس مهماً مصدر الإيفاء بهذا الالتزام المادي وما إذا كانت الخزانة الأمريكية أم خزائن دول الخليج أم استثمارات شركات أمريكية وخليجية.
يبقى الأهم هو فرض إيران المبدأ والبند، ليس لغاية أخذ العوض في قياداتها وأبناء شعبها، بل انتزاع إقرار إمبراطورية ترامب الأمريكية بجرم عدوانها، واعتذار ضمني، وتكفير عملي عنه بالتزام تعويض مادي، حتى لو كان مصير "صندوق إعادة إعمار إيران" هو نفسه مصير "صندوق إعمار غزة".

أترك تعليقاً

التعليقات