ترنيمة!
 

ابراهيم الحكيم

إبراهيم الحكيم / لا ميديا -
تابعت باهتمام رئيس تركيا، رجب أردوغان، يغني بمصاحبة عازفين كلمات ترنيمة رثائية تركية تراثية شهيرة، تحكي بأسى مرير يستدر الدمع الغزير، عن عشرات الآلاف من الجنود الأتراك الذاهبين إلى اليمن من دون عودة، إبان الغزوين التركيين لليمن.
ليست المرة الأولى التي أستمع إلى هذه الترنيمة التركية الشهيرة جدا (Yemen Türküsü)، لكنها المرة الأولى التي أستمع الى رئيس تركي يغنيها. لا تكمن المفاجأة في غناء أردوغان، فهو كان ممثلا كوميديا في بداية شبابه، وما يزال ممثلا بارعا.
تكمن المفاجأة بالنسبة لي، في أنها المرة الأولى التي يؤدي رئيس تركي هذه الترنيمة، لتغدو موقفا رسميا بعدما ظلت موقفا شعبيا تركيا عاما محاذرا من اليمن وويلاته التي جعلت الحملات العسكرية التركية أشبه بقوالب من الزبدة تسيح، فلا يبقى لها أثر...
أما الوجه الآخر للمفاجأة أن تداول فيديو غناء أردوغان ترنيمة «يمين» التركية، نهاية 2024م خلال لقاء جمعه بشباب مدينة غازي عنتاب التركية؛ بدا لافتا في نطاقه الواسع بين الأتراك، وفي تزامنه مع توقيع اتفاق الدفاع المشترك: السعودي -التركي -الباكستاني.
قطعا تداول فيديو أردوغان يؤدي الأغنية في هذا التوقيت تحديدا، لا يظهر أن باعثه تأكيد الالتزام باتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية، ولا استدعاء نزعة الثأر للجنود الأتراك الهالكين في اليمن، وتبرير مشاركة السعودية الحرب بدافع الانتقام.
ولا تدري إن كان نطاق تداول مقطع الفيديو وتوقيته، تبريرا مسبقا للإحجام التركي عن التدخل العسكري في اليمن، حتى وإن كانت اتفاقية الدفاع السعودي -الباكستاني -التركي المشترك تنص على «تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء على أي من الدول الثلاث».
لكن الواضح أن تداول فيديو أردوغان يؤدي هذه  الترنيمة المرثية التركية التراثية الشهيرة «يمين»، تأكيد لعقيدة الانهزام التركي في اليمن، وتعميد لقناعة تركية رسمية وشعبية، بتفضيل الاستسلام على الأقدام لخوض حرب أخرى في «اليمن الصعب»، حسب الأغنية.
تتجلى هذه العقيدة التركية والقناعة الرسمية والشعبية في كلمات الأغنية التي تقول: «آه من هذه اليمن، وردها مثل العشب الأخضر، من يسير إليها لا يعود، فما السبب يا ترى؟. هنا قلعة هوش، طريقها شديدة الوعورة، منحدرة وصعبة، من يسير إليها لا يعود».
صحيح أن اتفاقية الدفاع الثلاثي التي سُميت «اتفاقية مكة» لإكسابها طابعا مقدسا، تنص على «أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يُعد هجوماً على الجميع». لكنها في المقام الأول «تُعنى بتطوير أوجه التعاون بمجالات الدفاع» التصنيعي والتدريبي.
يؤكد هذا بيان أنقرة، فيقول إن التحالف الثلاثي «لن يكون بديلا عن الناتو ولا يستهدفه»، ويتحدث عن «مواصلة الحوار والحلول الدبلوماسية لدعم استقرار المنطقة»، ويبرز هدف «تمويل الصناعات العسكرية المشتركة» مع تأكيد «عدم انخراط تركيا بأية حروب».
كذلك بيان رئاسة مجلس الوزراء الباكستانية عن الاتفاق، جاء أكثر تصريحا بأن اتفاق الدفاع المشترك لا يعني الانخراط في حروب، بل وأكد على أن إسلام آباد لن تنخرط في أية مواجهات في المنطقة أو ضد دول فيها، بل وسمى اليمن وإيران والعراق، بالاسم.
يبقى الثابت، أن اتفاق الدفاع الثلاثي: السعودي -الباكستاني -التركي المشترك، موجه في الأساس ضد إيران ومحور المقاومة لكيان الاحتلال الصهيوني (اليمن، العراق، لبنان)، أكثر منه ضد اليمن، ومعركته التحررية من هيمنة الوصاية الخارجية ومهانة التبعية السعودية.

أترك تعليقاً

التعليقات