في البدء كان الوعد: «دولة للجميع»
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
دخلنا في مسار 21 أيلول/ سبتمبر ونحن نحمل حلماً: وطن تحكمه الكفاءة لا الولاء، وطن يُسأل فيه المسؤول ويُحاسب، وطن تكون الكلمة فيه وسيلة بناء لا سبب سجن.
اليوم نقف أمام سؤالين موجعين: لماذا لا نستفيد من الصادقين؟ ولماذا نقدم عديمي الخبرة على أصحاب الهم العام؟
أولاً: جذور الأزمة
1. عقلية الحصار والحرب والحماس الآني قتلت عقلية الإدارة؛ فمنذ 2015 ونحن في حرب وجود. والحرب تُقدّم الأمن على المراجعة. صار أي صوت مختلف يُقرأ أولاً كاختراق ثم كتهديد. فخنقنا الخبراء في اللحظة التي نحن بأمس الحاجة إليهم فيها.
2. غياب المؤسسات وتغول المركزية الفردية وتقديس الشخصيات القيادية. فباتت الدولة تُدار بالثقة الشخصية لا بالتقارير الفنية. فصار «الولاء» قبل «الكفاءة». حالة خالد العراسي مثالا. صحفي كتب من منطلق الحرص، فقوبل بالسجن. الرسالة: «النقد = مخاطرة». وهكذا خسرنا أبناءنا قبل أن نخسر معاركنا.
3. الخلط بين النقد والمؤامرة. فصار سؤال «لماذا انقطعت الخدمات؟» يُترجم إلى «من يمولك؟». فقُتلت الكفاءات. لا أحد يريد أن يُسجن بسبب جملة.
4. لا توجد قنوات آمنة للنقد لا مراكز دراسات، لا استبيانات، لا صحافة تحمي مصدرها. فانفجر الناس في فيسبوك، وتعاملنا معهم أمنياً لا إدارياً.
ثانياً: سؤالان لا بد من الإجابة عليهما
السؤال الأول: لماذا لا نستفيد من الصادقين؟ هناك فئتان تقدمان النقد: منتمون للحركة يخافون على المشروع، وأحرار من خارج الحركة لا ارتباط لهم بالمرتزقة. الاثنان يتحدثون من وجع مشترك. لكننا نتعامل معهم بنفس منطق الريبة. نُغلق الباب في وجوههم بحجة «التوقيت غير مناسب». النتيجة: نخسر أرشيفاً كاملاً من الحلول. نخسر من يرى الخلل قبل أن يستفحل، لأنه يعيشه يومياً.
السؤال الثاني: لماذا نقدم المهرجين على المفكرين؟ هذه هي الكارثة الكبرى. صرنا نُقدم في الواجهة: المهرجين وعديمي الخبرة والصداميين وحتى السفهاء. ونُقصي في المقابل: الكتاب والمفكرين والإعلاميين الذين يدافعون عن الحق كمنظومة متكاملة، ويحملون الهم العام، وينطلقون من وعي ثوري ونباهة اجتماعية.
لماذا؟ لأن المهرج لا يوجع. يصفق ويهتف ولا يسأل. ولأن المفكر يوجع. يسأل: أين الخلل؟ ومن المسؤول؟ ومتى نُصحح؟ فاخترنا الراحة المؤقتة على حساب البناء الحقيقي. واخترنا من يزين لنا القصر بالحروف والكلمات والشعارات التي لا تصنع سوى الوهم، على من يطالبنا بهدم القصر وبناء الدولة.
ثالثاً: الثمن الذي ندفعه
1. هجرة العقول أو سجنها وتغييبها: الصادق إما يسكت أو يُسجن أو يهاجر. ويبقى الفراغ عاملاً مهماً لصعود الحمقى والجامدين والجهلة.
2. تكرار الأخطاء: بلا تغذية راجعة نكرر نفس الفشل في الاقتصاد والإعلام والخدمات.
3. تآكل الثقة: الناس تسأل: هل نحن نبني دولة أم ندير سلطة؟
رابعاً: المخرج - 5 خطوات
1. فصل الأمن عن الرأي: ميثاق يحمي الناقد المهني. النقد ليس خيانة. الخيانة إخفاء الفساد.
2. إحياء دولة المؤسسات: الوزير والمسؤول يسمع من فريق خبراء علمي وفني قبل المقربين.
3. حاضنة وطنية للنقد: مجلس استشاري يضم منتمين وأحراراً، يرفع تقاريره مباشرة ومحمي من العزل.
4. معايير الكفاءة لا الولاء: قدموا الكاتب والمفكر وصاحب الخبرة. أبعدوا المهرج والصدامي والعاجز. المعيار الوحيد: «هل يحمل هم الوطن؟».
5. ثقافة الاعتراف بالخطأ: «أخطأنا وسنصحح» تمنح هيبة أكثر من دفن الخطأ بالحرف للمسار؛ والتحريف للحقائق، والتخويف للمدركين طبيعة المشكلة والحل؛ بالقيد والكرباج.
الخلاصة
ثورة 21 أيلول/ سبتمبر لم تقم لاستبدال سلطة بسلطة. قامت من أجل شعبٍ يتطلع لبناء دولة. والدولة تُبنى بالاعتراف بالمشكلة أولاً.
المختصون الذين سُجنوا أو فُصلوا ليسوا أعداء. هم مرآة ترينا الحقيقة. وحالة خالد العراسي إنذار: إذا لم نسمع لأبنائنا الصادقين اليوم، سنُجبر على سماع العدو غداً.
المشكلة ليست في النقد. المشكلة أننا خفنا من الكلمة الكاملة.
والحرية تبدأ بجملة: «هذا خطأنا، وهذا الخطأ كيف سنصلحه».

أترك تعليقاً

التعليقات