مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لا تدرك عظمة رجل حتى تدرك موضعه من الآخر. فموقعية الآخر في وعي القائد هي الميزان، وطبيعة الصلة به هي المحك، وحجم المسؤولية تجاهه هي البرهان على إنسانيته ورساليته.
ونحن نلتقي مع «سيد الجنوب» والجنوب يعني: كل جهاتنا واتجاهاتنا؛ وقد قال أستاذنا «صلاح الدكاك»:
جنوبٌ جهاتي كلها والهوى إذا
جنوباً سرى كانت «فلسطين» موعدا
هنا نحلق في رحاب القدسية كلها. فمَن كـ»نصر الله؟» فمعه نبلغ ذروة الثقافة الخلاقة المنتجة، المعبرة عن الكمال الإنساني. نعم لقد تجلت عظمته من خلال الدلالة التي اختزنتها تجربته العملية في الترجمة لكلمة واحدة، كلمة شديدة الدلالة، عميقة الأثر وهي: «الاختلاف». نعم؛ «الاختلاف». وهي السمة التي انطبعت بها ثقافته، وتوشحت بها روحه، وتجلت بها قيادته.
فكيف نظر سيد الجنوب إلى الآخر المختلف؟
هل رآه نتوءاً زائداً في جسد الأمة يجب استئصاله؟ هل رآه خطأً في متن الحقيقة يجب شطبه؟ أم رآه ذاتاً قائمة، تامة الوجود، كاملة الماهية، لها حقها في أن تكون، وحقها في أن تختلف، وحقها في أن تُصان؟
هل نظر إليه من علٍ، على أنه هامش صغير من وجوده، وتابع ذليل لوجوده، لا قيمة له إلا بمقدار ذوبانه فيه؟ أم نظر إليه من موقع الإنسان الرسالي الذي يدرك أن التمايز والتباين والاختلاف هو ناموس الوجود، وسنة الله في خلقه، وحكمة الخلق في تنوعه؟
هل رسالتي كمسلم تفرض عليّ محو المختلف، أم رعايته؟ هل تفرض عليّ أن أبني علاقتي به على المحو والإلغاء، أم على التعارف والتكامل؟ «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا».
إن عبقرية السيد تكمن هنا: في أنه نقل «الاختلاف» من دائرة المشكلة إلى دائرة الحل. رأى أن المشكلة ليست في أن يكون الناس متعددي المشارب والثقافات والآراء. فهذا هو الأصل، وهذه هي الفطرة. المشكلة كل المشكلة في كيفية التعاطي مع هذا الاختلاف.
ولهذا رآه ابتلاءً. وبهذه الكلمة ربط الدلالة المعاصرة للمصطلح بعمق الثقافة الإسلامية. فالاختلاف ابتلاء، والابتلاء امتحان، والامتحان مسؤولية. أن يصبح موقفك من الآخر امتحاناً لك، معناه أنك محمل بأمانة النظر والتفكر للوصول إلى الموقف الأقوم الذي يرضي الله. فمرضاة الله وتقواه حاضرتان بقوة في هذا النوع من الابتلاء. والخسارة فيه ليست خسارة مادية مصلحية، بل هي خسارة في صلتك بربك.
فالموقف من الآخر عند سماحته مسألة أخلاقية بالغة الخطورة، لا تمس المبتلى وحده، بل تمس طرفي الخلاف معاً. فإن أنت مسحت الآخر، فإنما تمسح جزءاً من نفسك، وتخرق مركبك بيدك.
ولذلك رفض أن يكون الموقف مسحاً وإزالة. ودعا إلى القبول، لا لأن القبول ترف أخلاقي، بل لأن الحقيقة المادية تفرضه. فالمركب الذي يحمل المختلفين واحد. الوطن سفينة واحدة. «بلدنا... سفينتنا الواحدة المشتركة... أي خرق لها... يغرق الجميع».
ودعوته إلى قبول الآخر ليست مسألة أخلاقية فحسب، بل هي مسألة إنسانية تتصل بالسياق الثقافي المعاصر في منحاه الإنساني الأصيل، بعيداً عن المنحى الغربي الذي نصب نفسه مركزاً للكون، واحتكر لنفسه تمثيل الإنسان على الأرض، فصار يحكم على من يختلف عنه بأنه ليس بإنسان.
أما السيد «نصر الله» (ر) فلم يرَ نفسه مركز الكون، بل رأى نفسه خادماً للإنسان في الكون. ولم يرَ الآخر هامشاً يُمحى، بل شريكاً في السفينة يجب أن يُصان. ولم يرَ الاختلاف نقمة يجب أن تُستأصل، بل نعمة يجب أن تُدار بالتقوى، وتُحل بالتعارف، وتُستثمر بالتكامل.
ومن هنا كانت عظمته: أنه حفظ حق المختلف في أن يبقى مختلفاً، لأنه أدرك أن بقاء السفينة لا يكون بإلقاء بعض ركابها في البحر، بل بأن يتعلم ركابها كيف يبحرون معاً، وكيف يجدفون معاً، نحو بر يرضاه الله ويرضاه الإنسان.

أترك تعليقاً

التعليقات