لذا كتبت على نفسها اللعنة
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
كل عنصرٍ من عناصر هذا الوجود له حدٌ يقف عنده؛ أما إذا تجاوز ذلك الحد تحول من عنصرٍ للإحياء إلى عنصرٍ للفساد والإبادة لكل ما يحتويه هذا الكون من مقومات الحياة والأحياء؛ فالنار إذا تجاوزت حد الانتفاع البشري تصبح جحيماً تلتهم كل ما ومَن حولها؛ وكذلك الماء إذا فاض عن مجراه، وخرج عن مساره يصير سبباً لإغراق المجتمع؛ وإهلاك الزرع والضرع؛ بل حتى الدواء؛ فلطالما أضحى سماً لصاحبه بدل أن يكون دواءً لعلته؛ إذا ما تم تناوله بمعزل عن الالتزام بالمقادير والتوقيت. من هنا نعرف: لماذا قد يتحول النظام السياسي في مرحلة من المراحل، وفي بلد ما؛ من نظامٍ حاملٍ لمجتمعه كأمانة يجب الأداء لحقها من الحفظ والرعاية والخدمة والبناء والتنمية؛ إلى عرشٍ محمولٍ على عواتق ذلك الشعب؛ يولم لحمهم؛ ويشرب دمهم؛ ويجري خيله ورجله فوق جثثهم! لا يرعى لهم عهدا؛ ولا يصون لهم حرمة؛ ولا يحفظ لهم حقا؛ فكلهم مملوكون له؛ عبيدٌ في حرم سلطانه؛ إذ صار رباً؛ بعد أن كان وإياهم «عبيدا مملوكين لربٍ لا رب غيره» يقولون بحق؛ ولا يتخذون الخوف مركباً للصمت؛ ولا يجعلون من المجاملة والثناء الكاذب باباً للدخول إلى حاشية القصر وكهنته وسحرته.
ولكن؛ ما يجب المعرفة له؛ هو: أن الطاغية والمستبد؛ أو السلطان الفرعون؛ لا يولد إلا في البيئة المجتمعية التي تحيط كل مَن يصل إلى سدة الحكم بحالة من التعظيم المفرط؛ وهالة من التقديس والتنزيه المطلق؛ فلا نقد لفعله؛ ولا راد لقراره؛ ولا اعتراض على لغطه وشطحاته؛ ولا وجود لأخطائه مهما كثرت؛ ولا مجال لمحاسبته على ما فرط فيه من حق شعبه؛ أو مدى قصوره وفساده ومساهمته في تدمير الأرض والمجتمع! هنا؛ يتغير مفهوم الحكم والمقام لدى السلطات السياسية؛ فترى نفسها غير معنية بخدمة الناس؛ وإنما الناس هم عبيدها وخدامها؛ ووجودها على رأس الحكم ليس من باب الشعور بالمسؤولية؛ والقيام بواجبها كوظيفة تكليفية لا تشريفية؛ وإنما كرب مستحق للخضوع وواجب الطاعة.
والخلاصة؛ كل سلطةٍ ترى نفسها فوق ميزان العدالة؛ وتضع نفسها كميزان؛ وتنطلق خلاف ما اقتضاه الحق؛ ولا تعترف بما تواضع عليه الناس من الثوابت؛ كونها هي الحق والثابت والمبدأ ولا قيمة لأي شيء ما لم يكن من قيئها الفكري؛ لأنها المنشئة للحق؛ لا العاملة في سبيله؛ فإنها سلطةٌ فرعونية.
وما أكثرهم اليوم! فكم من سلطةٍ ظنها الناس مبعثاً للحق والعدل؛ صارت بعد بضع سنين في عداد الأصنام التي سيلعنها التاريخ.

أترك تعليقاً

التعليقات