حين تنفد أوراق الابتزاز يبدأ التهديد بالموت!
- فؤاد أبو راس الثلاثاء , 14 يـولـيـو , 2026 الساعة 1:11:13 AM
- 0 تعليقات

فؤاد أبوراس / لا ميديا -
لم يعد ما يجري حول ترامب مجرد صراع سياسي تقليدي، ولا خلاف عادي داخل مؤسسات الحكم الأمريكية، بل يبدو أقرب إلى عملية إخضاع ممنهجة لرجل يراد له أن يوقّع قرارات الحرب حتى وإن خالفت حساباته ومصالح بلاده.
لقد جُرّبت معه أولاً أوراق الفضائح والملفات والابتزاز السياسي. واستُخدمت قضية «إبستين» وما أحاط بها من تسريبات وشبهات كأداة ضغط لإبقائه تحت التهديد، وإفهامه أن ماضيه وعلاقاته وسمعته كلها قابلة للتفجير في اللحظة التي يقرر فيها الخروج عن المسار المرسوم له.
لكن تلك الورقة استُهلكت، وفقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على التأثير، خصوصاً بعد أن اعتاد ترامب الضربات الإعلامية والقضائية والسياسية، وتعلّم كيف يحوّلها إلى مادة تعبئة لأنصاره.
وعندما تفشل أدوات التشهير، تنتقل مراكز القوة إلى أدوات أكثر قسوة. هنا يأتي موت ليندسي غراهام بوصفه رسالة سياسية أكثر منه حادثاً شخصياً. فغراهام لم يكن مجرد سيناتور جمهوري أو حليف عادي لترامب، بل كان ظله السياسي، وصوته الأكثر اندفاعاً نحو الحرب، ونسخته الأكثر قتامة في ملفات إيران و»الشرق الأوسط». كان قريباً منه بما يكفي ليكون الوصول إليه وصولاً معنوياً إلى ترامب نفسه، وكان موته كافياً لإيصال رسالة لا تحتاج إلى تفسير طويل: لقد وصلنا إلى أقرب دائرة منك، وأنت قد تكون التالي.
ليس منطقياً أن تكون إيران هي المستفيد من تصفية شخصية مثل غراهام في هذا التوقيت. فطهران تدرك أن مقتله قد يتحول سريعاً إلى ذريعة لشن حرب شاملة عليها، وأن واشنطن و«تل أبيب» تمتلكان قدرة هائلة على توظيف أي حادثة في صناعة رواية اتهام جاهزة. لذلك فإن الجهة الأكثر استفادة هي من تريد دفع ترامب إلى حرب لم يحسم قراره بشأنها، ومن ترى أن الدم أكثر فاعلية من الملفات، وأن الجنازة قد تنجح حيث فشلت الفضائح.
«الموساد»، وفق هذه القراءة، لم يكن يستهدف غراهام باعتباره عدواً، بل باعتباره أداة ضغط مثالية. فالهدف الحقيقي ليس الرجل الذي مات، وإنما الرجل الذي بقي حياً خلف جدران البيت الأبيض. الرسالة لم تكن إلى غراهام، بل إلى ترامب: إمّا أن تذهب إلى الحرب، وإمّا أن يتحول محيطك إلى ساحة مفتوحة.
بهذا المعنى، لا يصبح موت غراهام دافعاً للانتقام من إيران، بل دليلاً على حجم الابتزاز الذي يتعرض له القرار الأمريكي. فالمفارقة أن الرئيس الذي رفع شعار استعادة السيادة الأمريكية يجد نفسه اليوم محاصراً بقوى تريد تحويل الولايات المتحدة إلى سلاح مستأجر في حرب لا تخدم شعبها ولا اقتصادها ولا أمنها القومي.
المطلوب من ترامب ليس اتخاذ قرار نابع من تقدير استراتيجي، بل الانصياع تحت ضغط الخوف. يريدون منه أن يقصف إيران لا لأنه اقتنع بأن الحرب ضرورة أمريكية، وإنما لأنه تلقى رسالة شخصية تقول إن رفضك قد يكلفك حياتك أو حياة من حولك.
هذه ليست شراكة بين حليفين، بل علاقة ابتزاز بين طرف يريد الحفاظ على مصالحه وطرف يريد استخدام القوة الأمريكية لحماية مشروعه الإقليمي. ومن يقبل أن تُفرض عليه الحرب بالتهديد، لن يتوقف ابتزازه عند حرب واحدة. فالجهة التي تنجح في إخضاع رئيس الولايات المتحدة بالدم، ستكرر الأسلوب كلما احتاجت إلى قرار جديد.
إن أخطر ما في هذه الحادثة ليس موت غراهام نفسه، بل ما تكشفه عن هشاشة القرار الأمريكي أمام شبكات النفوذ والضغط والعمليات الخفية. فإذا كان بإمكان جهاز أجنبي أن يلوّح لرئيس أمريكي بالموت كي يدفعه إلى حرب، فإن الحديث عن استقلال واشنطن وسيادتها يصبح مجرد خطاب للاستهلاك الداخلي.
أمام ترامب الآن اختبار حقيقي. إما أن يفهم الرسالة كما أرادها مرسلوها، فيتحرك بدافع الخوف ويمنحهم الحرب التي يريدونها، وإما أن يقلب الطاولة ويثبت أن دم أقرب رجاله لن يتحول إلى توقيع أمريكي على حرب جديدة.
إن شن الحرب بعد هذه الرسالة لن يبدو قوة، بل استسلاماً. ولن يُقرأ بوصفه انتقاماً لغراهام، بل اعترافاً بأن الابتزاز نجح وأن التهديد حقق غايته.
حين تنفد أوراق «إبستين»، تبدأ أوراق الموت. وحين يعجزون عن إخضاع الرئيس بالفضيحة، يضعون أمامه جثمان أقرب حلفائه. وما لم يدرك ترامب أن الحرب التي تُفرض عليه بهذه الطريقة ليست حربه، فقد يجد نفسه ينفذ إرادة من هدده، ثم يكتشف متأخراً أن عبارة «أنت التالي» لم تكن مجازاً سياسياً، بل جدولاً زمنياً.










المصدر فؤاد أبو راس
زيارة جميع مقالات: فؤاد أبو راس