فؤاد أبو راس

م/ فؤاد أبو راس / لا ميديا -
في علم الإدارة العامة، لا تُقاس بصمة القائد بطول الفترة التي شغل فيها المنصب، وإنما بقدرته على إنتاج شرعية اجتماعية تستمر بعد الغياب. الذاكرة الجمعية ليست انفعالًا خالصًا؛ إنها شكلٌ من أشكال "التقييم" الذي يقدّمه أصحاب المصلحة -المواطنون والموظفون والنخب- حول عدالة الإدارة، واتساق السلوك، وقدرة الجهاز العام على العمل تحت الضغط. من هذا المنطلق يمكن فهم لماذا بقي صالح علي الصمّاد حاضرًا في المجال العام: لأن حضوره في نظر كثيرين لم يرتكز على رمزية الموقع، وإنما على مؤشرات إدارية قابلة للرصد في السلوك والقرار والمتابعة.
أول مفاتيح الفهم هو مفهوم الشرعية كما تشرحه أدبيات المنظمات: الشرعية لا تُستمد فقط من "الصفة الرسمية"، بل من اقتناع المجتمع بأن القيادة مقبولة أخلاقيًا، مفهومة، وذات منفعة عامة. هذا الاقتناع لا يتكون عبر حدث واحد أو خطاب مفصلي؛ يتشكل تدريجيًا من إشارات متكررة صغيرة: طريقة مخاطبة الناس، نمط التعامل مع الموظفين، درجة الانضباط الشخصي، وحدود التواضع أو الاستعلاء في الممارسة اليومية. حين تتراكم هذه الإشارات في اتجاه واحد تتشكل "سمعة شرعية" تُصبح أقوى من المنصب ذاته، وتستمر كمرجعية مقارنة حتى بعد رحيل صاحبها.
ثاني المفاتيح يرتبط بما يصفه علم الإدارة بـ"العدالة الإجرائية والتفاعلية": الناس تميل إلى قبول السلطة عندما تشعر أن القواعد تُطبق بمعيار واحد، وأن الإنصاف ليس امتيازًا يمنح للمقرّبين. ما يسميه الرأي العام "ميزانًا واحدًا للجميع" يمكن ترجمته إداريًا إلى تقليل الاستثناءات، ضبط التمييز، ورفع جودة التفاعل مع المواطنين. مثل هذا النمط يعالج فجوة "الدولة/المواطن" التي تتسع عادة في البيئات الهشّة؛ لأن المواطن لا يطلب الكمال بقدر ما يطلب ألا يتحول إلى طرفٍ غير مرئي داخل معادلة القرار.
ثالث المفاتيح هو الثقة التنظيمية بوصفها حصيلة ثلاثة عناصر: الكفاءة، النزاهة، وحسن النية تجاه المصلحة العامة. المجتمع لا يمنح ثقته لأن القائد "محبوب"، وإنما لأنه يلتقط اتساقًا بين ما يُقال وما يُفعل، ويقرأ في السلوك مؤشرات نزاهة وقدرة ورعاية. لهذا تضخم أثر القائد الذي يُنظر إليه -صوابًا أو خطأً- على أنه ثابت المعايير، أقل انتقائية، وأكثر التزامًا بالانضباط؛ فالثقة بطبيعتها تتغذى من الاستقرار السلوكي، وتنهار مع التناقض والازدواجية.
ثم تأتي بيئة الأزمة بوصفها اختبارًا إداريًا حاسمًا. في زمن الصراع، تصبح مرئية القيادة جزءًا من الحوكمة: الحضور الميداني، الاقتراب من نقاط التماس، متابعة الملفات "في مكانها" لا عبر التقارير فقط.. كل ذلك يُقرأ إداريًا كوسيلة لتقليل فجوة المعلومات وتعزيز الإحساس بالمسؤولية العامة. هذا السلوك يرسل رسالة إدارية واضحة: 
مركز القرار لا يعيش في عزلة تشغيلية بينما يتحمل الآخرون وحدهم كلفة المخاطر. وبقدر ما تكون الدولة في الأزمات معرضة لانقطاع المعلومات وتشوهها، يصبح القرب من الميدان أداة إدارة قبل أن يكون مشهدًا.
وعلـــى المستـوى الداخلـــــــي، يــبرز عامــــــل غالبًا ما تهمله الكتابة السياسية: أسلوب إدارة الجهاز التنفيذي. الإدارة التي تبني الانضباط عبر الإذلال تُنتج التزامًا شكليًا وسلوكًا دفاعيًا وثقافة تستر. في المقابل، الإدارة التي تجمع بين المتابعة والدعم ترفع قابلية التعلم، وتحسن جودة الإبلاغ عن الأخطاء، وتقلل تكلفة "الخوف التنظيمي". أدبيات "الأمان النفسي" تؤكد أن فرق العمل تتحسن أسرع عندما تسمح بيئة القيادة بطرح المشكلات دون أن يتحول الاعتراف بها إلى عقوبة اجتماعية أو تشهير. لذلك، حين تُقدَّم صورة قائد يقود بالمساندة والتوجيه أكثر من قيادته بالتجريح، فإن ذلك يُترجم إداريًا إلى بيئة أكثر قابلية للتماسك تحت الضغط، وأعلى احتمالًا لتـدويـــــــــــــر المعلــــــومـــــات بصـــــدق داخــــل الجهاز.
أمــــا القســـوة الاقتصادية، فهــي مـن منظـــور الإدارة العامة ليست ظرفًا للتبريـــــر، وإنمــــا اختبار لقدرة القيادة على إدارة الندرة: ترتيب الأولويات، حماية الوظائف الأساسية للدولة، تقليل الأضرار، ورفع كفاءة تخصيص الموارد ضمن الممكن. حين يلاحظ الناس أن القائد لا يحوّل القيود إلى خطاب تبريري دائم، وأنه يتعامل معها باعتبارها واقعًا يستدعي حضورًا أكبر ومتابعة أدقّ، فإن ذلك يعزز إدراكهم لفعالية القيادة حتى إن لم تُحل الأزمة جذريًا. لهذا يصبح استدعاء اسم القائد بعد غيابه ذا دلالة إدارية مضاعفة: هو مقارنة بين قيادة تُحسن إدارة القيود وقيادة تُحيل كل شيء إلى القيود.
بهذه الأدوات التفسيرية يتغير سؤال "لماذا بقي في الوجدان؟" من سؤال وجداني إلى سؤال إداري عن مزيج من الشرعية والثقة والعدالة والقيادة المرئية وإدارة الجهاز التنفيذي وإدارة الندرة. قد يختلف الناس سياسيًا حول المرحلة وتفاصيلها، لكن منطق الإدارة يقول إن القائد يُستعاد كمرجعية مقارنة عندما يتكون انطباع عام بأن سلوكه كان أقرب إلى ما يتوقعه المجتمع من الدولة: معيار واحد، حضور فعلي، ومساءلة لا تهدم الكرامة.
وتبقى الخلاصة العملية الأهم: القيمة ليست في تحويل تجربة الفرد إلى حالةٍ غير قابلة للتكرار، وإنما في تحويل ما يراه المجتمع "نقاط قوة" إلى أنظمة لا تتوقف بذهاب الأشخاص: قواعد إنصاف واضحة، قنوات استماع ومساءلة، حضور ميداني مُنظّم، وآليات تعلم داخل الجهاز التنفيذي، ومعايير سلوك تُطبق على الجميع. عندها فقط يصبح "الحضور الذي يتجاوز المنصب" صفةً للدولة نفسها، لا استثناءً في سيرة رجل.

أترك تعليقاً

التعليقات