الداء القديم؛ كيف يتجدد؟
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
ما أسوأ حالَ أولئك الذين عميت عيونهم عن الطريق؛ بعد أن امتلكوا كل ما يعينهم على أن يكونوا هم المثل الأعلى للسالك نحو الله؛ والملتزم سبل الهداية والرشد؛ حين غرتهم القوة، فراحوا في مجاهل التيه؛ يجرون حبائل الهلاك؛ بعد أن سلبوا التوفيق، وخانوا عهد الله من بعد ميثاقه؛ ونسوا مَن هم؛ وماذا يجب عليهم فعله في ظل القيام بمهمتهم كاملة! إنهم لم يقفوا على ما جرت به الأزمان؛ حتى يعلمهم التاريخ ما يلزم؛ كي لا يصبح كل ما فعلوه أول معالم الفصل بين النشأة والصيرورة؛ وبين البدايات والمآلات؛ فصار ما يشبه الاقتراب من لحظة ولادة الذات المتألهة من الذات التي كانت في ما قبل تصدر عن استجابتها لله من موقع العبودية له سبحانه!
نعم ففي التاريخ الدروس الكاملة؛ والعبر القادرة على نزع حجب العمه واستئصال كل نزعة قد يتحول فيها الفرد إلى إله أو نصف إله؛ لأن أخبار الأمم الماضية؛ لاسيما تلك المتضمنة لسير الملوك الطغاة الجبابرة، الذين وقفوا على النقيض من دعوات الرسل، وما نتج عن هذين المسارين من صراع وتدافع وتغالب؛ ليست مجتمعةً مما يُطلب به العلم بالأحداث وحدها؛ بحيث تصبح مجرد أرقام لوقائع مجردة من معانيها؛ بل كانت ولا تزال تدعونا لاتخاذها مادة تعلمنا؛ كيف نعرف أحوال النفوس حينما تستغرقها ظلمات الشهوة، وتتقاذفها أمواج الهوى؛ وتستلذها بوادر العلو. كما تهبنا المعرفة لطبيعة العواقب التي تقع على كل حركة أو جماعة أو تنظيم أو سلطة؛ حينما تكسر ميزان العدل؛ وتبسط يد كبارها ونافذيها بالظلم للعباد؛ وتلك أهم سنة جرت بها حركة التاريخ؛ لترينا كيف تكون سوء الخاتمة لكل ملك انفصل عن خط الهداية والرشاد.
ولا أدل على مدى الخيبة والخسران لأي جماعةٍ ما؛ جاءت من بين الناس؛ ووهبوها كل ما يملكون؛ باعتبارها آخر ما انعقدت عليه آمالهم، ومنتهى ما تبلغه رجآتهم؛ لكنها حينما بلغت شط النجاة؛ وامتلكت كل ما من شأنه أن يحقق لها النفوذ وبسط السلطة؛ انقلبت عليهم؛ فصارت النعمة التي لمسوها حينما بدأت الحركة نقمة عليهم؛ وأما القوة التي كانوا هم مَن صنعها بصبرهم؛ وسقوها دمهم وعرقهم ومدامعهم؛ كي تحفظ حقوقهم، وتحمي حرماتهم؛ فقد باتت أداة بيد تلك السلطة؛ لفرض الهيمنة عليهم؛ وإخضاعهم لطغيان الطغاة الجدد. وهكذا تصبح السياسة مجالاً لفرض القائمين بالحكم أرباباً على الجميع القيام بعبادتهم؛ بعد أن كانت لتدبير أمورهم كرعية يجب تحمل مسؤوليتهم كاملة.
إنها الفرعونية هنا؛ والتي سرعان ما تبرز للعيان عندما يترك المجتمع المهمة الموكلة له؛ كمراقب ومحاسب للسلطان؛ لأنّ القرآن الكريم لم يذكر فرعون لمجرّد حكاية اسمٍ باد، ولا لقصد التلهّي بخبر ملكٍ هلك، ولكن ليجعل من صورته مثالاً قائماً في الأبصار والبصائر، يعرف به الناس داءً قديماً يتجدّد في كلّ عصر، ويتلوّن في كلّ أمّة، وتلبسه الملوك تارةً بلباس الوثن، وتارةً بلباس الحضارة، وتارةً بلباس الشريعة، وهو في جميع أحواله واحدٌ في الجوهر، مختلفٌ في الأشكال.

أترك تعليقاً

التعليقات