فهد شاكر أبو راس

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
في خضم المشهد الدولي المضطرب الذي تفرضه واشنطن بسياساتها العدوانية المتكررة، تبرز طهران اليوم كقوة تتحلى بعزم لا يلين على رفع يدها رداً على أحدث عدوان أمريكي، ليس فقط كرد فعل غاضب، بل كاستراتيجية محسوبة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة، حيث جاءت الهجمات الواسعة التي شنتها القوات الإيرانية لتطال أربع قواعد أمريكية كبرى في غضون ساعات، لتكون رسالة دموية واضحة بأن هراء الحزام الاستراتيجي الذي تبنيه أمريكا لم يعد واقياً من صواريخ الجمهورية الإسلامية، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جرى توجيه ضربات صاروخية جديدة ونوعية باتجاه قاعدة الأزرق الاستراتيجية في شرق الأردن، والتي تعد بمثابة عصب التموين والاتصال للناتو في المنطقة، مما يؤكد أن طهران لا تكتفي بردود الفعل التقليدية، بل تسعى لتوسيع دائرة النار لتشمل كل نقطة تنطلق منها الطائرات والأسلحة الأمريكية.
وفي السياق، يدرك الجميع في طهران و"تل أبيب" وواشنطن أن استمرار تبادل الضربات بهذا الشكل المفتوح لن يستمر طويلاً، لأن الغضب وحده لا يدير الحروب، وإنما حسابات الربح والخسارة هي التي تحدد مسار العنف، ومن هنا تتلخص المعادلة في خيارين لا ثالث لهما: إما أن تُعاد الأمور إلى مجاريها الطبيعية وتطبق مذكرة التفاهم الموقعة ببنودها كافة وبأرواحها دون أي تنقيص أو تأويل، وهو الخيار الذي تريده طهران بنفسها، لكن بشروطها هي لا بشروط المفاوضين الأمريكيين، وإما أن تتدحرج الأمور نحو تصعيد أوسع وأشمل نطاقاً يبدو أن واشنطن غير مستعدة له في ظل تورطها العسكري في عدة جبهات متزامنة، وهنا تبرز العبقرية الدبلوماسية الإيرانية التي تستند إلى فهم عميق لمزاجية الولايات المتحدة وتاريخ نكثها للعهود، فبعد ثلاثة عقود من التلاعب الأمريكي وتفنيد الوعود تحت مسميات مختلفة.
ربما بات على الإيرانيين التوجه نحو تفضيل بعض بنود مذكرة التفاهم على أخرى عبر جدولة تنفيذية ذكية تجعل طهران هي صاحبة المبادرة والوقت وليس واشنطن التي اعتادت على فرض جداولها الزمنية، وكون بند هرمز هو المطلب الأمريكي المتقدم والجوهري الذي تسعى إليه واشنطن لتأمين ممرات النفط العالمية، فمن المفترض أن تصر طهران على وضعه ضمن مرحلة تنفيذ أخيرة، أي بعد تحصيل كامل المكاسب الاستراتيجية التي تضمن بقاء النظام الإيراني قوياً، وفي هذا السياق، يتمثل التكتيك الجديد في رفع الحصار البحري المفروض على سواحل إيران كخطوة أولى وملحة، ليس لأن طهران بحاجة إلى السماح للآخرين بالدخول، بل لأن رفع الحصار هو شرط أساسي لحركة النفط الإيراني الحر الذي طالما كان مستهدفاً بالسرقة والعقوبات الاقتصادية التي جوعت الشعب.
ومن الواضح أن طهران ستشترط رفع العقوبات المفروضة على مبيعات النفط بشكل كامل، لأن هذا الملف يعد أداة ضغط بيد واشنطن لا يمكن قبول استمرارها بينما تقدم إيران تنازلات في المضيق الاستراتيجي، وبالتزامن مع ذلك، تطالب طهران بوقف الحرب في المنطقة، وتحديداً على الجبهة اللبنانية حيث تتعرض لبنان لهجوم غير مسبوق من قبل الكيان الصهيوني المدعوم أمريكياً، وما يترتب عليه من استحقاقات خطيرة، خصوصاً جدول زمني للانسحاب الشامل لـ"القوات الإسرائيلية" من الأراضي اللبنانية المحتلة، لأن أي اتفاق حول هرمز لن يكون مقبولاً إيرانياً ما لم تكن حدودها الشمالية الغربية آمنة ومسالمة، وبعد تحقيق هذه الشروط القاسية التي تضع طهران في موقع المحقق والمراقب، يأتي دور بند الأموال المجمدة، وهو البند الذي سيجعل واشنطن تدفع ثمن جرائمها الاقتصادية السابقة عبر إعادة الأموال التي سرقتها من إيران أو جمدتها في البنوك الأوروبية، وبعدها فقط، حين تكون طهران قد استلمت قوتها الاقتصادية وفرضت سيادتها، سيصار إلى تنفيذ البند المتعلق بمضيق هرمز، كهدية أخيرة تقدمها طهران للمجتمع الدولي ولكن من موقع قوة لا من موقع ضعف، وبهذه الطريقة، تحشر واشنطن في زاوية ضيقة جدا، لأنها لو رفضت هكذا جدولة ستفقد فرصة الدخول إلى هرمز نهائياً، ولو قبلت، ستكون قد وافقت فعلياً على منح إيران كل أوراق القوة الاقتصادية والعسكرية لتكون الدولة الأقوى في المنطقة والإقليم.
هذه المناورة الدبلوماسية البديعية تكشف أن الجمهورية الإسلامية ليست طرفا يتلقى الإملاءات، بل هي من يملي الشروط ويعيد تعريف الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، حيث إن كل صاروخ يطلق من إيران لا يهدف فقط للتدمير، بل هو خطوة في سلم تفاوضي معقد يهدف إلى رفع سقف طهران إلى أعلى مرتفع، لتصبح المفاوضات بشأن هرمز ورقة في جيبها تقدمها في اللحظة التي تراها مناسبة تماماً، فهل يعي صانعو القرار في واشنطن أنهم وقعوا في فخ هذه الجدولة الذكية، أم أن غرورهم سيدفعهم لرفضها وتسريع وتيرة التصعيد الذي لن يجلب لهم إلا المزيد من الخسائر والقواعد المحترقة.
وكما هو واضح فإن طهران هي التي تملك حصافة قراءة المشهد، وواشنطن هي التي تملك زينة الطائرات الفائقة التي لا تفلح أمام دبلوماسية الصواريخ والجدولة الزمنية، وإنه لمن المشروع التكهن بأن هكذا ترتيب تنفيذي سيجعل مضيق هرمز ليس مجرد نقطة على الخريطة، بل هو البيت الذي لا يستطيع الأمريكيون دخوله إلا بعد أن يطرقوا أبواب طهران ويخضعوا لشروطها كلها، وتظل الجمهورية الإسلامية كالطود الشامخ الذي لا تميله العواصف، وهي التي تعلم أن العجلة في يدها الآن، وأن التوقيت هو حليفها الأقوى ضد صبر أمريكا المنهك في حروبها البعيدة، وفي كل هذه التحولات.
يبقى الجوهر واحدا: طهران تحشر واشنطن لأنها تدرك أن الجنرالات هناك لا يحاربون بفكر استراتيجي بل بشهوة نفط، بينما طهران تحارب بعقيدة وجغرافيا وهندسة في الزمن، وهذا هو الفارق الذي يجعل النصر النهائي لصالحها مهما طال الزمن.

أترك تعليقاً

التعليقات