«شعار الـبراءة».. الصرخة التي أراد المحتل كتمها فاهتز لها مجلس الأمن
- فهد شاكر أبو راس الأحد , 1 فـبـرايـر , 2026 الساعة 6:25:15 PM
- 0 تعليقات

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
تسويق "إسرائيل" كضحية كراهية يظل سردية زائفة مُتعمَّدة، لا يغير من فظاعتها أن تُلقى من على كرسي مغتصب في مجلس الأمن، فكيف لمجرم شهد العالم عليه وهو يرتكب كل ما يمُتُّ للإبادة الجماعية بصلة، من حصار شامل وتجويع ممنهج وتقتيل على الهوية وتشريد جماعي وتدمير للمستشفيات والمدارس ومسح للعائلات من سجلات الوجود، أن يقفز فجأة فوق جبال من الجثث والدمار بقناع مُحارب معاداة السامية.
إنها محاولة يائسة لسرقة لباس الضحية وإلباسه لجسد الجلاد، في طريق إعادة تجميل صورة مشوهة واحتواء مفاعيل سخط وازدراء عالمي تُكرِّسه على الدوام صرخة المظلومين في وجه المستكبرين.
إنها مسعى يُذكِّرُ البشرية بشكلٍ ثابتٍ بشرٍّ مُطلقٍ، وعدوٍ مبينٍ، وشيطانٍ مريدٍ يتربص بها ويصنفها إلى "مستحقين للحياة" و"أغيار" مفترض قتلهم أو إخضاعهم، وهو النموذج ذاته الذي تلمسه اليوم كل دولة وشعب يجسدان إرادة المقاومة، كما هو الحال مع الجمهورية الإسلامية في إيران التي تواجه حصاراً وتهديداً مستمراً لمجرد تمسكها بخيار الدفاع عن حقوق أمتها ورفضها للهيمنة، بعد أن عايَنتْه أمريكا في فنزويلا تحت وطأة العقوبات الخانقة والمحاولات الانقلابية المتكررة، وقبلها وفي صميم المأساة يتجلى في قطاع غزة، حيث ما يزال المشهد مفتوحاً على جريمة حرب متواصلة بعد أكثر من عامين على أحدث موجة إبادة، يشاهد فيها العالم كيف يتهدد المحتل الغزيين صراحة بالخنق ثم ينفذ تهديده بقطع الغذاء والدواء والوقود، ويسوي الأحياء بالسكان فوق أرضهم، بينما تضبطه على جزء آخر من ذات الرقعة الفلسطينية التاريخية يزحف بمخطط تهويد منهجي للمقدسات، وخاصة الأقصى والقدس، عبر حفريات تقوض أساساتها واعتداءات متكررة على المصلين، ومشاريع استيطانية عملاقة تبتلع الضفة الغربية قرية تلو أخرى وتهجر أهلها تحت تهديد السلاح واستصدار قوانين عنصرية.
وقريباً من هذه الجريمة الجغرافية يوسع الكيان توغله ويُثبِّت احتلاله لأراضٍ عربية في سوريا ولبنان بقصف يومي واغتيالات ميدانية، معتمدا على غطاء دولي فاضح وتواطؤ إقليمي مريب، جاء بعدما رأى ووجد الأنظمة العربية والإسلامية المتواطئة تتبنى بوعي أو دون وعي الرؤية الأمريكية المُفصَّلة على مقاس المشروع الصهيوني، والتي تهدف لنزع سلاح المقاومة وتحييدها كلياً من المعادلة السياسية والأمنية، بل وتجفيف منابع ثقافتها وشيطنة رموزها.
هذا التواطؤ هو ما مكَّن الكيان المغتصب ليس فقط من البقاء، بل ومن التحكم في مسارات الأحداث الإقليمية بثقة الطرف المدعوم من قوة عظمى، وزيادة غطرسة قوته العسكرية والأمنية، ورفع مستوى تأثيرها التخريبي هنا وهناك، بل وتحفيز عدد من القوى الدولية، عبر الإغراءات الاقتصادية أو الابتزاز السياسي، على التفاعل مع كل تطوراته العدوانية سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتبييض صفحته في المحافل الدولية، وكل ذلك دون أن تتنبه تلك الأنظمة إلى ما يُوضع في طريقها من مصائد أمريكية - "إسرائيلية" محكمة، فهي محاصرة بين فكي كماشة: استراتيجية "أمريكا أولاً" التي لا ترى في الحلفاء إلا أدوات قابلة للاستهلاك والتخلص منها عند أول منعطف، وعقيدة "إسرائيل الكبرى" التوراتية التوسعية التي لا تعترف بحدود ولا بحقوق جيران ولا بقرارات دولية، والتي تهدف في جوهرها إلى إبقاء المنطقة كلها في حالة تمزق وتخلف تسمح بالهيمنة الدائمة.
وهذا الوضع الخطير الذي يجمع بين الغباء السياسي والخيانة التاريخية، هو ما يفرض على جميع المتضررين والمستهدفين في الشرق والغرب، من شعوب حية وحكومات واعية، تبني مقاربة وسياسة مغايرة تماماً، قائمة على إدراك حقيقة هذا العدو المشترك، وبدرجة عالية من المسؤولية التاريخية المطلوبة لمواجهة مشروع يستهدف البشرية في قيمها وثرواتها ومستقبلها.
فبين نير "أمريكا أولاً" الأناني ومطرقة "إسرائيل الكبرى" الاستئصالية، لا يضر شعوب أمتنا الإسلامية، المدفوعة بهويتها الإيمانية الراسخة وأصالتها الحضارية التي ترفض الذل، والمتمسكة بنخوتها وكرامتها وإبائها للضيم منذ فجر التاريخ، أن تصرخ ملء الدنيا من المحيط إلى الخليج، ومن كل قلب حر في العالم، بهتاف الحرية والعدالة الذي يهز عروش الطغاة، ويوقظ الضمير الإنساني النائم، ويؤكد أن الحق لن يموت، وأن صمود غزة والمقاومة في لبنان والعراق واليمن وإيران هو طريق النصر الوحيد، وأن صرخة "الموت لأمريكا والموت لإسرائيل" ليست مجرد هتاف عاطفي، بل هي تعبير عن إرادة وجودية ترفض الانقراض والاستسلام، وتعلن أن عصر الهيمنة المطلقة قد ولى، وأن شمس الحرية ستشرق حتماً على كل فلسطين من النهر إلى البحر، مهما طال الليل ومهما عظم الثمن.
فهذا الصراخ هو صوت الأرض والدم والإنسان، وهو البلاغ الأخير لأعداء الحياة من أن نيران المحتلين ستنقلب عليهم، وأن مستقبلاً آخرَ ممكنٌ، تُكتب فيه ملحمة التحرر بإذن الله، ويندحر فيه المشروع الصهيوني إلى مزابل التاريخ، كما اندحرت من قبله مشاريع استعمارية وصليبية وحملات صليبية ظنت نفسها أبدية، لتبقى فلسطين والشعب الفلسطيني والأمة المجيدة شاهداً أبدياً على أن الحق فوق القوة، وأن الإرادة فوق السلاح، وأن كلمة الحرية هي الكلمة الأخيرة في تاريخ هذا الصراع المصيري.










المصدر فهد شاكر أبو راس
زيارة جميع مقالات: فهد شاكر أبو راس