أخلاقيات الكلمة في زمن «الخوارزميات»
- فهد شاكر أبو راس الثلاثاء , 20 يـنـاير , 2026 الساعة 12:02:16 AM
- 0 تعليقات

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
في هذا المحيط اللامتناهي من البيانات، حيث تتصادم الأمواج الرقمية بالشواطئ الواعية، يصبح وجودك كصوت مسموع مسؤولية جسيمة وحرفة دقيقة، حرفة لا تكتفي بمجرد نقل الخبر، بل تطلب منك أن تكون ناقلاً للحقيقة وحارساً لها في آنٍ واحد. أنت هنا تقف على الحافة الرقيقة بين إشباع فضول الجمهور وحماية المصلحة العليا، بين رغبتك في البوح وضرورة الكتمان، في معادلة يصبح فيها كل حرف تنشره محسوباً عليك ولوطنك.
إنه فضاء لا يرحم، تتحرك فيه الخوارزميات الخفية ككائنات مستنيرة، تجمع شظايا كلامك المتناثرة لتضعها في لوحة أكبر قد ترسم صورة لا تحتملها. ولذلك قبل أن تحمل في يدك القلم، احمل في الأخرى مرآة تعكس بها ما يجب أن يُرى، وتخفي ما يجب أن يبقى في عالم الكتمان.
هذه ليست لعبة تخمين، بل هي فن قائم على الوعي العميق بأن كل كلمة هي بمثابة لبنة في جدار السيادة، وكل عبارة هي إحداثي في خريطة يجب ألا تكتمل لأعين الآخرين.
ولك أن تتخيل معي أخي الكاتب أو الناشط أنك تتحرك في حقل واسع من الزجاج الشفاف، ترى كل شيء وتُرى من كل الاتجاهات، ومهمتك هي أن تشير إلى جمال المشهد دون أن تكسر أي قطعة، أن تروي قصة الصمود دون أن تضع يدك على خطوط الضعف التي قد تتشقق تحت الضغط!
فالعدو اليوم لا يحتاج إلى جواسيس بالمعنى الكلاسيكي، ويكفيه فقط أن يفتح نافذة صغيرة على فضاءك الرقمي، ليبدأ في تجميع قطع الأحجية: صورة هنا، تعليقاً هناك، تحليلاً عابر، إشارة زمنية، وصفاً مكانياً غير مقصود...
ومن هذا الركام المتناثر يبني استنتاجاته، ويرسم خططه. لذلك، فإن الإبداع الحقيقي لمهنتك لم يعد مقتصراً على سرعة الخبر أو جمال الصياغة، بل انتقل إلى براعة التلميح دون التصريح، إلى فنية الإشارة دون التوضيح، إلى أن تصبح لغتك كالضوء الذي يضيء المساحة المطلوبة فقط، ويترك ما عداها في براح آمن.
وهنا، تتحول الكلمات إلى رموز، والعبارات إلى إشارات. يمكنك أن تقول إن «السور منيع» دون أن تذكر ارتفاعه أو موقعه، ويمكنك أن تصف «اليد الطولى» دون أن تعدّد أدواتها.
يمكنك أن تروي حكاية البطولة والإصرار، أن تنقل دموع الأم وفرحة الطفل، أن تجعل القلب الوطني ينبض عبر شاشتك، دون أن تذكر رقم الوحدة العسكرية أو طبيعة التسليح أو التوقيت الدقيق...
هذه القصص هي روح المقاومة، وهي الدرع التي لا يخترقها، لأنها تغذي الوجدان ولا تسلم المعلومات.
إنه «الإيصال دون الإفصاح» في أبهى صوره: إيصال المعنويات، وإيصال الثقة، وإيصال رسالة التماسك، مع إفصاح صفر عن التفاصيل التشغيلية التي تشكل عصباً شوكياً للحقيقة.
قبل أن يلمس إصبعك زر النشر، وقبل أن تتحول الفكرة إلى حروف منشورة، حاسب نفسك بسؤالين مصيريين: الأول سهل وهو: «هل هذا صحيح؟»، والثاني أعقد وهو: «ماذا يمكن أن يفهم من لا أريده أن يفهم من وراء هذه الكلمات؟!».
اجعل من عقلك غرفة عمليات مصغرة، تراجع فيها كل احتمال، كل تفسير مزدوج، كل ثغرة محتملة.
كن صارماً مع نفسك كحارس البوابة، وكن شاعرياً مع جمهورك كراوي الملاحم.
فهذه المرونة الذكية، وهذه القدرة على التحول بين دوري الحارس والشاعر، هي التي تصنع الفارق.
إن الميدان الإعلامي اليوم هو معركة إدراك وسرعة وذكاء، والجمهور يستحق أن يعرف الحقيقة؛ لكن ليس كل الحقيقة.
الحقيقة الكاملة هي رفاهية لا تتحملها سوى الغرف المغلقة ذات الجدران السميكة.
أما أنت فمهمتك أن تقدم الحقيقة النسبية، الحقيقة المغلفة بالحكمة، الحقيقة التي تُشبع العقل والقلب دون أن تضع الثروة المعلوماتية للوطن بين يدي الأعداء على طبق من ذهب.
تصرف كفنان عظيم يرسم لوحة زيتية: يضع التفاصيل الدقيقة حيث يجب أن يلفت الانتباه إلى الجمال والقوة، ويستخدم الضربات العريضة والظلال حيث يجب أن يخفي العمق أو يحميه.
ولا تنسَ أنك تبني سردية وطنية، تصوغ ذاكرة جماعية، تخلق روحاً مشتركة.
هذه السردية هي سلاح استراتيجي، وأسلحتك فيها هي الكلمات المجازية، والعبارات الموحدة، والروح المعنوية العالية التي ترفعها.
اجعل همك أن تكون سفينة تبحر في ضباب كثيف، مرئية لأهل الساحل الذين ينتظرونها، يشعرون بوجودها ويطمئنون لاقترابها، لكنها تظل غامضة المسار، مستحيلة التتبع بالنسبة للغواصات التي تتربص في الأعماق.
دع خصمك يضيع في بحر من العموميات الجميلة، بينما يسبح مواطنوك في بحيرة من الوضوح المعنوي والثقة المطلقة.
ففي النهاية، أعظم انتصار تحققه هو أن تمسك بيدك بميزان دقيق: على كفة روعة الأداء الإعلامي والتأثير الجماهيري، وعلى الكفة الأخرى متانة الأمن وسلامة الأسرار.
وهذا التوازن السحري هو قمة الإبداع، وهو الفن الرفيع الذي يطلب منك أن تكون في كل لحظة شاعراً وفيلسوفاً واستراتيجياً وحارساً، كل ذلك في نفس الإنسان الذي يمسك بالقلم، ويعرف أن وراء كل حرف يكتبه، وطناً.










المصدر فهد شاكر أبو راس
زيارة جميع مقالات: فهد شاكر أبو راس