الاستعداد الإيراني الشامل:تحويل التهديد إلى رادع استراتيجي غير قابل للاختراق
- فهد شاكر أبو راس الثلاثاء , 27 يـنـاير , 2026 الساعة 12:03:24 AM
- 0 تعليقات

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
تشكل الاستعدادات العسكرية والسياسية الشاملة التي تعلن عنها الجمهورية الإسلامية في إيران استجابة استراتيجية واعية لما يُنظر إليه على أنه حتمية مواجهة مع واشنطن، فهذا النهج المتكامل لا يمثل مجرد إجراء دفاعي تقليدي بل هو فلسفة متعددة المستويات تهدف إلى تحويل التهديد إلى فرصة لإثبات القوة وإفشال مخطط الخصم منذ مراحله الأولى، فالتصريح الرسمي الإيراني بأن أي هجوم، محدوداً كان أم شاملاً، سيعامل على أنه حرب شاملة ويتلقى رداً قاضياً هو جوهر هذه الاستراتيجية.
إن هذا الموقف الصارم المبني على مبدأ «عدم التنازل» هو ترجمة عملية لفهم عميق لديناميكيات الردع، حيث أن الإعلان عن الاستعداد لأسوأ السيناريوهات مع وضع كل المنظومات في حالة تأهب قصوى يرسل رسالة واضحة مفادها أن تكلفة أي مغامرة عسكرية ستكون باهظة وغير محسوبة العواقب بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها.
وهذا الحشد الدفاعي الإيراني يجب قراءته في سياقه الأوسع، فهو ليس رد فعل على تحركات عسكرية أمريكية فحسب، بل هو جهد استباقي لدفع الضرر المحتمل أو منع الضربة أساساً من خلال رفع سقف الثمن الذي سيدفعه المعتدي، مما يجعل المقارنة الكلاسيكية بين الكلفة والعائد غير مجدية في حسابات واشنطن.
ومن الناحية العسكرية البحتة، يعمل الاستعداد الإيراني على إفشال الجدوى الاستراتيجية للحشد الأمريكي غير المسبوق في المنطقة، والذي يشمل حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» وأسراب مقاتلات «إف-15». فالقوة العسكرية مهما بلغت تبقى أداة لا معنى لها دون تحقيق غاية سياسية محددة، والغموض الذي يلف الهدف النهائي للحشد الأمريكي، سواء كان تغيير النظام أو تقييد البرنامج النووي، يجعل من هذا الاستعراض الضخم للقوة عنصر إرباك استراتيجي بحد ذاته.
وهنا تبرز حكمة الاستعداد الإيراني، فهو يحول هذا الحشد من أداة ضغط فاعلة إلى عبء استراتيجي على واشنطن، حيث إن الرد الإيراني المحتمل والذي سيكون «بأقوى طريقة ممكنة» كما وعد المسؤولون، يجعل أي مقارنة تقليدية بين القوتين مجرد حساب نظري، فإيران تعتمد على عقيدة الحرب غير المتماثلة التي تجعل من تفوقها في الميدان غير التقليدي رادعاً كافياً.
إن القدرات الإيرانية في التأثير على أمن الممرات البحرية مثل مضيق هرمز، ونفوذها عبر محور المقاومة الذي يمد خيارات الرد بامتداد إقليمي، تعني أن أي مواجهة ستتجاوز الإطار الثنائي المباشر لتشعل منطقة بأكملها، وهو سيناريو تتحاشاه واشنطن وحلفاؤها الإقليميون كما تشير التقارير.
وعلى الصعيد السياسي والداخلي، يمثل هذا الاستنفار الشامل تعزيزاً للمنعة الوطنية وتجسيداً لمبدأ «عدم التنازل» والذي يشكل حجر الزاوية في السياسة الإيرانية، فالتاريخ يظهر أن الهجمات الخارجية، بدلاً من إضعاف النظام، غالباً ما تخلق تأثير «التجمع حول العلم» وتوحد الصفوف الداخلية ضد عدو خارجي مشترك.
لقد أدركت طهران هذه الحقيقة جيداً، وبالتالي فإن استعدادها العلني هو أيضاً رسالة تطمين للداخل وتعزيز للشرعية في مواجهة تحديات قد تأتي من الخارج أو الداخل، خصوصاً في ظل التهديدات الأمريكية الصريحة التي تتحدث عن تغيير النظام ذاته.
إن التأكيد الإيراني المتكرر على أن وضع البلاد «أفضل بكثير» مما كان عليه خلال حروب سابقة، وأن عنصر المفاجأة لم يعد موجوداً، يهدف إلى كسر أي وهم لدى الخصم بإمكانية تحقيق نصر سريع أو حاسم.
وهذا الموقف المتصلب سياسياً، الممزوج باستعداد عسكري معلن، يحول دون تحقيق الهدف السياسي الأمريكي المتمثل في فرض إرادته أو إجبار إيران على الرضوخ، وبالتالي يسلب الحشد العسكري الضخم أي مبرر أو جدوى من المنظور السياسي الذي سعى من أجله.
ولذلك فإن الاستعداد الشامل الذي تظهره إيران هو أكثر من مجرد ترتيبات دفاعية، إنه مشروع استراتيجي متكامل يهدف إلى قلب معادلة الردع لصالحها، فمن خلال تحويل أي هجوم محتمل إلى حرب شاملة تكلفتها باهظة وغير محدودة العواقب، تنجح طهران في تعطيل الجدوى الأساسية لأي حشد معادي منذ البداية، وهذا النجاح في إفشال الجدوى هو في حد ذاته انتصار استراتيجي يحفظ السلام ويحمي السيادة.
إن الرسالة التي تطلقها طهران واضحة ومتسقة: فليس هناك أي هجوم، مهما كان حجمه، يمكن أن يمر دون رد ساحق، وليس هناك أي قدر من الضغوط السياسية يمكن أن يجبر إيران على التنازل عن مبادئها أو التخلي عن حقوقها السيادية في الدفاع عن نفسها وتطوير قدراتها، وهذا الثبات هو مصدر قوتها الحقيقي في مواجهة أعتى القوى العسكرية، مما يثبت أن الإرادة الوطنية وحسن الاستعداد الاستراتيجي هما الأقوى في المعادلات الدولية المعقدة.










المصدر فهد شاكر أبو راس
زيارة جميع مقالات: فهد شاكر أبو راس