غرور القوة ونهاية منطق الهيمنة الأحادية
- فهد شاكر أبو راس الأحد , 26 أبـريـل , 2026 الساعة 12:14:40 AM
- 0 تعليقات

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
لطالما انطلقت واشنطن و«تل أبيب» من وهم مركزي مفاده أن تراكم الضغط القسري، عبر الخنق الاقتصادي والتلويح العسكري الدائم، سيدفع طهران حتماً إلى رفع الراية البيضاء أو الانهيار من الداخل.
لكن هذا الرهان الكبير، والذي استنزف عقوداً من التخطيط وتريليونات الدولارات، اصطدم بواقع صلب ومعقد، واقع كشف عن تماسك عضوي استثنائي لمنظومة الحكم الإيرانية، واقع لا يشبه أبداً ما تصورته غرف التخطيط الغربية.
هذا التماسك ليس مجرد قدرة على امتصاص الصدمات، بل هو حالة من التحول الجيني العميق حوّل العقوبات الغربية الخانقة ضد طهران إلى محفز للاكتفاء الذاتي في الصناعات الثقيلة والخفيفة، وحول التهديد العسكري إلى مبرر لتطوير قدرات ردع غير متماثلة أربكت كل عقائد التفوق التقني التي راهنت عليها واشنطن.
لقد مارست إيران، بذكاء استراتيجي نادر، ما يمكن تسميته باستباق المأزق، إذ نقلت ثقل المواجهة من جغرافيتها الداخلية إلى خاصرة الخصم الإقليمية، لتشكل شبكة ضغط متبادل جعلت من أي اعتداء على العمق الإيراني مكلفاً وجودياً، لا لـ«إسرائيل» وحدها، بل للأمن العالمي المرهون بمسارات الملاحة والطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
وهنا تحديداً تكمن عبقرية الاستراتيجية الإيرانية، التي عصفت بالعقل الغربي؛ ففيما سعى الأعداء إلى حل الصراع عبر استهداف الأعراض العسكرية الظاهرة، عمِلت طهران على تضخيم الأسباب البنيوية العميقة للمقاومة، رابطة بقاءها الاستراتيجي ببقاء قضايا إقليمية عابرة للحدود ومتجذرة في الوجدان الجمعي، ما جعل الانتصار التقني عليها ممكناً على الورق ومستحيلاً سياسياً على أرض الواقع.
هذه الفجوة القاتلة بين الإمكانية التقنية والاستحالة السياسية هي التي أنتجت المأزق الحقيقي الذي تتخبط فيه واشنطن و«تل أبيب» اليوم، مأزق لا يعود إلى نقص في القوة أو عجز تقني عن إلحاق الأذى، بل إلى عجز مفاهيمي عميق عن استيعاب طبيعة الخصم الجديد، والذي لم يعد ذاك اللاعب الهامشي القابل للترهيب.
يكمن الخطر الأعظم على واشنطن و«تل أبيب» والأكثر كارثية اليوم في وهم الخروج بالتصعيد، والاعتقاد أن مزيداً من القوة الغاشمة قد يفتح منفذاً لهما للخروج من هذا النفق الاستراتيجي المغلق.
إنها لحظة أشبه بالمأزق التراجيدي في الأدب الإغريقي، بحيث يدفع غرور القوة صانع القرار إلى مضاعفة الرهان نفسه الذي أوقعه في الورطة أصلاً، ظناً منه أن العجز السابق كان عجز كمية وليس عجز منطق وإدراك.
إن أي تحليل دقيق ومتجرد سيكشف بوضوح أن أية جولة تصعيد جديدة، سواء كانت ضربة موجعة أو جولة عقوبات خانقة إضافية أو حرباً إقليمية محدودة، لن تنتج سوى طبقات أعمق من التعقيد والاستنزاف المتبادل، فإيران اليوم لا تواجه من موقع رد الفعل المرتبك، بل من موقع إدارة الإيقاع والسيطرة على إيقاع التصعيد والتهدئة معاً، وهي التي، بفضل صبرها الاستراتيجي الأسطوري، تمسك بمفاتيح اللعبة كلها، والقادرة على تسخين الاقتصاد العالمي أو تمنحه متنفساً، وهذا بالضبط ما يجعل عودة واشنطن و«تل أبيب» إلى منطق القوة، واعتباره منفذاً للخروج، ليس مجرد خطأ تكتيكي في الحسابات، بل سوء قراءة لطبيعة اللحظة التاريخية الراهنة برمتها.
لقد انتهى زمن الإملاءات الأحادية إلى الأبد، وبدأ زمن فرض المعادلات الجديدة التي تكتبها طهران اليوم بأحرف من نار وصبر استراتيجي لا يلين، والمخرج الوحيد من هذا المأزق التاريخي يبدأ من حيث يرفض منطق القوة الذهاب أصلاً، أي من تفكيك مركبات الغطرسة والإذعان لفكرة أن إيران لم تعد مجرد دولة تُهزم أو تُحتوى أو يُتحكم بها عن بعد، بل لقد أصبحت اليوم معادلة إقليمية كاملة تُحترم ويحسب لها ألف حساب، فبلد صمد في وجه أقصى درجات الضغط التي يمكن أن يتصورها العقل البشري قد آن أوان قراءته بعين جديدة تليق بجبروته الاستراتيجي، لا بعين الاستعمار القديم التي لم تعد ترى شيئاً.






.jpg)



المصدر فهد شاكر أبو راس
زيارة جميع مقالات: فهد شاكر أبو راس