الجنازة التي لم تكن جنازة . الشعب الإيراني حوّل النعي إلى إعلان ميلاد
- سامي عطا السبت , 11 يـولـيـو , 2026 الساعة 1:25:42 AM
- 0 تعليقات

سامي عطا / لا ميديا -
"إن جماهير الشعب لا تتحرك في الساعات الحرجة لمجرد البكاء، بل لتستمد من الحزن طاقة تعيد بها رسم التاريخ"
شـــارل ديغــول
في لحظات الانهيار، تترسخ البديهيات؛ لكن الأمم العظيمة لا تقاس بقدرتها على تجنب الصدمات، بل بقدرتها على تحويلها إلى وقود. يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي: "لكل أمة عمرانها الحضاري، ولكل انهيار ولادة جديدة". وهذا ما تجسده المشاهد المهيبة التي ملأت شوارع طهران ومدن إيران الأخرى، حيث خرج الملايين ليس ليطووا موتاهم في صمت، بل ليصنعوا من النعش منصةً للمقاومة، ومن الدمع ماءً يروي جذور اليقظة السياسية.
أولاً: الجموع كجدار حي.. حين يتحول الحزن إلى هندسة دفاعية
يقول الفيلسوف الألماني هيغل: "لا يُقرأ التاريخ بالعواطف، بل بالعقل؛ لكن العقل وحده لا يحرك الجماهير". وهنا يتجلى المشهد الإيراني كاستثناء فريد: جموع تغادر بيوتها لا لتندب فقط، بل لتؤسس لظاهرة اجتماعية نادرة، هي "التشييع السياسي" الذي يحوّل الفقدان إلى حافز لإعادة بناء التماسك الوطني.
يصف المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي المجتمعات التي تنتصر للأزمات بأنها "تلك التي ترد على التحدي بإبداع جماعي". وهذا ما حدث فعلاً؛ فالجدران البشرية التي امتدت لمسافات لم تكن مجرد تعبير عن الحزن، بل كانت بمثابة درس عملي في "علم الاجتماع الدفاعي"، حيث امتصاص الصدمة يتم عبر تحويلها إلى طاقة مضادة.
ثانياً: قراءة في الاستراتيجية الصهيونية -الأمريكية: هزيمة التوقع بانتصار اللايقين
يقول المفكر العسكري الصيني صن تزو: "الانتصار الحقيقي هو كسر إرادة العدو قبل المعركة". لكن إرادة الإيرانيين لم تنكسر؛ بل على العكس، انقلبت الآلة الحربية النفسية على صانعيها.
يشير الباحث في الشؤون الإيرانية فؤاد إبراهيم إلى أن "الولايات المتحدة وإسرائيل راهنتا على أن غياب القائد سيخلق فراغاً إدارياً وانهياراً في سلسلة القيادة، لكنهما فوجئتا بـ(تلقائية مؤسسية) أعادت ترتيب البيت الداخلي في أقل من 48 ساعة".
وهنا يتجلى قول السياسي الفرنسي كليمنصو: "الحرب أخطر من أن تُترك للجنرالات"، فالإيرانيون حوّلوا معركة الاغتيال إلى معركة هوية، انتصروا فيها قبل أي اشتباك عسكري، بفضل وعي جمعي راكمته عقود من العيش تحت الحصار.
ثالثاً: الدولة الإيرانية بين الانهيار المتوقع وإعادة تموقع الهيمنة
يقول الأكاديمي الأمريكي صامويل هنتنغتون: "الدول القوية هي التي تعيد اختراع نفسها في لحظات الخطر". وهو ما فعله النظام الإيراني، الذي لم يكتفِ بامتصاص الهزة، بل انتقل من موقع الدفاع إلى موقع الهيمنة الإقليمية الأكثر صلابة.
يرى المحلل الاستراتيجي ريتشارد هاس أن "إيران خرجت من هذه الأزمة وهي تملك ورقةً لم تكن بحوزتها قبل الأزمة تتمثل بالشرعية الشعبية غير المسبوقة، جعلت مضيق هرمز ليس ممراً للملاحة فحسب، بل خطاً أحمر لا يُقبل المساس به".
وهنا نذكر مقولة الزعيم الهندي غاندي: "القوة لا تنبع من العضلات، بل من الإرادة التي لا تلين"، وهذه الإرادة تجلت في إصرار طهران على ربط أمنها القومي بحركة الملاحة العالمية، محولةً الممر المائي من نقطة ضعف محتملة إلى أداة ضغط وجودية.
دروس من جنازة صنعت مستقبلاً
في المشهد الختامي، تتداعى كلمات الشاعر الفلسطيني محمود درويش: "إذا مات القائد، تولد القبيلة". لكن إيران لم تولد قبيلة؛ بل ولدت دولة أكثر وعياً بذاتها، وأكثر قدرة على قراءة لعبة الأمم.
إن هذا الزحف البشري الذي شهدته طهران لم يكن مجرد وداع، بل كان بياناً سياسياً بامتياز أرسل رسالة مفادها أن الدولة الإيرانية، بمرونتها الفائقة، أثبتت أنها ليست رهينة للأفراد، بل كيان قائم على منظومة من المؤسسات والعقيدة والجغرافيا.
ويبقى السؤال المفتوح، كما يقول المؤرخ البريطاني إريك هوبزباوم: "هل تستطيع الدول أن تعيش دون أعداء؟"، لكن الإجابة الإيرانية كانت واضحة: قد لا نستطيع العيش دون أعداء، لكننا بالتأكيد نستطيع العيش دون خوف منهم.
وأخيراً يمكن القول إن ما حدث في شوارع إيران هو أكثر من مشهد جنائزي؛ إنه درس في "الجيوسياسية العاطفية"، حيث يُعاد تشكيل الخريطة ليس بالصواريخ، بل بجموع تبكي لتنتصر. وكما قال الفيلسوف الفرنسي آلان باديو: "الحقيقة تنشأ في لحظة القرار، لا في لحظة الاكتشاف"، وقرار الإيرانيين كان أن يكونوا أكثر تماسكاً كلما اشتدت عليهم الضربات، مخلدين بذلك مقولة ديغول التي فتحنا بها المقال:
"إن جماهير الشعب لا تتحرك في الساعات الحرجة لمجرد البكاء، بل لتستمد من الحزن طاقة تعيد بها رسم التاريخ".










المصدر سامي عطا
زيارة جميع مقالات: سامي عطا